فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 189

قال الله تعالى: {رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ} [المائدة:119، التوبة:100، المجادلة:22، البينة:8] . وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أحبّ الله عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن رضي اصطفاه» ، وقال - عليه السلام: «اعبد الله تعالى بالرضا، فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير» ، وقال - عليه السلام - لطائفة: «ما أنتم؟ فقالوا: مؤمنون. فقال: وما علامة إيمانكم؟ فقالوا: نصبر على البلاء ونشكر عند الرخاء، ونرضى بمواقع القضاء. فقال: مؤمنون ورب الكعبة» . وفي رواية أنه قال: «حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء» . ومما أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: ما لأوليائي والهمّ بالدنيا، إن الهم يذهب حلاوة مناجاتي من قلوبهم، إن محبتي من أوليائي أن يكونوا روحانيين لا يغتمّون. وقال صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: أنا الله لا إله إلا أنا، فمن لم يصبر على بلائي، ولم يشكر نعمائي، ولم يرض بقضائي، فليطلب ربّا سواي» ، وقال عليه السلام: قال الله تعالى: «خلقت الخير، وخلقت له أهلا، وخلقت الشر، وخلقت له أهلا، فطوبى لمن خلقته للخير ويسّرته على يديه، وويل لمن خلقته للشر، ويسرت الشر على يديه، وويل ثم ويل لمن قال: لم وكيف» . وأوحى الله سبحانه إلى داود عليه السلام: يا داود تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد، فإن سلّمت لما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.

قد أنكر الرضا جماعة وقالوا: لا يتصور الرضاء بما يخالف الهوى، وإنما يتصور الصبر فقط. وإنما أوتوا من إنكار المحبة ونحن نحققها، وعلامتها الرضاء بالبلاء وبما يخالف الطبع والهوى، وذلك يتصور من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن يدهشه مشاهدة الحب وإفراطها عن الإحساس بالألم، ذلك مشاهد في حب المخلوقين وفي غلبة الشهوة والغضب، حتى أن الغضبان تصيبه الجراحة فلا يحس بها في الوقت، وحتى أن الحريص تصيبه شوكة في رجله فلا يحس بها، ثم إذا سكن غضبه وظفر بمراده عظم ألمه. وإذا تصور أن ينغمر ألم يسير بحب يسير، تصور أن ينغمر ألم كثير بحب قوي بالغ، فإن كل واحد - من الحب والألم - يقبل الزيادة والشدة. ومهما تصور مثل هذا في عشق يرجع إلى الميل إلى صورة مركبة من لحم ودم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت