من الراضين أنه كان يقول في كل ما يصيبه: «الخير فيما قدّره الله تعالى» وكان في بادية ومعه أهله وليس له إلا حمار يحمل عليه خباءه، وكلب يحرسهم، وديك يوقظهم، فجاء ثعلب وأخذ الديك فقال: خيرة، وجاء ذئب وقتل الحمار، فحزن أهله فقال: خيرة، ثم أصيب الكلب فمات، فقال: خيرة؛ فتعجب أهله من ذلك، حتى أصبحوا وقد سبي من حولهم، واسترقّ أولادهم، وكان قد عرف مكانهم بصوت الديك، ومكان بعضهم بنبيح الكلب، ومكان بعضهم بنهيق الحمار، فقال: قد رأيتم أن الخيرة فيما قدره الله سبحانه، فلو لم يهلكهم الله عز وجل لهلكتم وهلكنا.
وروي أن نبيّا كان يتعبد في جبل وكان بالقرب منه عين، فاجتاز بها فارس وشرب ونسي عندها صرة فيها ألف دينار، وجاء آخر فأخذ الصرة، ثم جاء رجل فقير على ظهره حزمة حطب، فشرب واستلقى ليستريح فرجع الفارس في طلب الصرة فلم يرها، فأخذ الفقير فطالبه وعذبه فلم يجدها عنده فقتله. فقال النبي: إلهي ما هذا؟ أخذ الصرة ظالم آخر، وسلطت هذا الظالم على هذا الفقير حتى قتله! فأوحى الله إليه: اشتغل بعبادتك، فليس معرفة أسرار الملك من شأنك، إن هذا الفقير كان قد قتل أبا الفارس فمكّنته من القصاص، وإن أبا الفارس كان قد أخذ ألف دينار من مال آخذ الصرة، فرددته إليه من تركته. فمن أيقن بأمثال هذه الأسرار لم يتعجب من أفعال الله تعالى، وتعجب من جهل نفسه، ولم يقل لم وكيف فرضي بما دبره الله في ملكوته.
وهاهنا وجوه أربعة تتشعب عن محض المعرفة بكمال الجود والحكمة، وبكيفية ترتيب الأسباب المتوجبة إلى المسببات، ومعرفة القضاء الأول الذي هو كلمح البصر، ومعرفة القدر الذي هو سبب ظهور تفاصيل القضاء، وأنها رتبت على أكمل الوجوه وأحسنها، وليس في الإمكان أحسن منها وأكمل. ولو كان وادّخر، لكان بخلا لا جودا وعجزا يناقض القدرة، وينطوي تحت ذلك معرفة سرّ القدر، وكما أن من أيقن ذلك، لم ينطو ضميره إلا على الرضا بكل ما يجري من الله. وشرح ذلك يطول، ولا رخصة فيه أيضا فلنتجاوزه.
لعلك تقول: كيف أجمع بين الرضا بقضاء الله تعالى، وبين بغض أهل الكفر