فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 189

مشحون بالأقذار والخبائث؛ وإنما يدرك بعين ظاهرة يغلب الغلط عليها، حتى ترى الكبير صغيرا، والبعيد قريبا، والقبيح جميلا. فكيف لا يتصور بالإدراك جمال الحضرة الربوبية، والجلال الأزلي الأبدي، الذي لا يتصور انقطاعه ونقصانه، المدرك بالبصيرة الباطنة، التي هي أصدق وأوضح عند أهلها من البصر الظاهر؟ ومن هذا الأصل قال الجنيد - رحمه الله - قلت لسرّي السقطي - رحمه الله: هل يجد المحب ألم البلاء؟ قال: لا. قلت: وإن ضرب بالسيف؟ قال: لا، وإن ضرب بالسيف سبعين ضربة، ضربة على ضربة. وقال بعضهم: أحببت كل شيء لحبه، حتى لو أحب النار أحببت الدخول في النار.

وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله: ما بقي لي فرح إلا في موقع قدر الله تعالى. وضاع لبعض الصوفية ولد صغير ثلاثة أيام، فقيل له: لو سألت الله تعالى أن يرده عليك! فقال: اعتراضي عليه فيما قضى أشدّ علي من ذهاب ولدي.

الوجه الثاني من الرضاء: أن يحس بالألم ويكرهه بالطبع، ولكن يرضى به بعقله وإيمانه لمعرفته بجزالة الثواب على البلاء، كما يرضى المريض بألم الفصد، وشرب الدواء، لعلمه بأنه سبب الشفاء، حتى إنه ليفرح بمن يهدي إليه الدواء وإن كان بشعا. وكذلك يرضى التاجر بمشقة السفر وهو خلاف طبعه. وهذا أيضا يشاهد مثله في الأغراض الدنيوية، فكيف ينكر في السعادة الأخروية؟ وروي أن امرأة فتح الموصلي الأنصاري عثرت فانقطع ظفرها فضحكت، فقيل لها: أَما تجدين ألم الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه. فإذا من أيقن أن ثواب البلاء أعظم مما يقاسيه، لم يبعد أن يرضى به.

الوجه الثالث: أن تعتقد أن لله تعالى تحت كل أعجوبة لطيفة بل لطائف، وذلك يخرج عن قلبه. (لم وكيف) حتى لا يتعجب مما يجري على العالم مما يظنه الجاهل تشويشا واضطرابا، وميلا عن الاستقامة ويعلم أن تعجبه كتعجب موسى من الخضر - عليه السلام - لما خرق سفينة الأيتام، وقتل الغلام، وأعاد بناء الجدار، كما في سورة «الكهف» . فلما كشف الخضر عن السر الذي اطلع عليه، سقط تعجبه، وكان تعجبه بناء على ما أخفي عنه من تلك الأسرار. وكذلك أفعال الله تعالى، مثاله: ما حكي عن رجل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت