فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 189

سواء»، وقال عليه السلام: «من غزى ولا ينوي إلا عقالا فله ما نوى» . ويقال إن رجلا في بني إسرائيل مرّ بكثبان رمل في أيام قحط، فقال في نفسه: لو كان لي هذا الرمل طعاما لقسمته بين الناس، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: «قل له إن الله تعالى قد قبل صدقتك، وشكر حسن نيتك، وأعطاك ثواب ما لو كان طعاما فتصدّقت به» . وقال عليه السلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار» . فقيل: ما بال المقتول؟ فقال: «أراد قتل صاحبه» . وقال عليه السلام: «من تزوج امرأة على صداق وهو لا ينوي أداءه فهو زان، ومن أدان دينا وهو لا ينوي قضاءه فهو سارق» .

حقيقة النية هي الإرادة الباعثة للقدرة المنبعثة عن المعرفة. وبيانه أن جميع أعمالك لا تصح إلا بقدرة وإرادة وعلم؛ والعلم يهيج الإرادة، والإرادة باعثة للقدرة، والقدرة خادمة الإرادة بتحريك الأعضاء، مثاله: أنه خلق فيك شهوة الطّعام إلا أنها قد تكون فيك راكدة كأنها نائمة. وإذا وقع بصرك على طعام حصلت المعرفة بالطعام، فانتهضت الشهوة للطعام، فامتدت إليه اليد، وإنما امتدت اليد بالقوة التي فيها، المطيعة لإشارة الشهوة، وانتهضت الشهوة بحصول المعرفة المستفادة من طليعة الحسّ. وكما خلق فيك شهوة إلى الأشياء الحاضرة، خلق فيك أيضا ميل إلى اللذّات الآجلة ينتهض ذلك الميل بإشارة المعرفة الحاصلة من العقل، والقدرة أيضا تخدم هذا الميل بتحريك الأعضاء، فالنية عبارة عن الميل الجازم الباعث للقدرة، والذي يغزو قد يكون الباعث له ميلا إلى المال فذلك نيته، وقد يكون الباعث ميلا إلى ثواب الآخرة فذلك نيته؛ فإذا النية عبارة عن الإرادة الباعثة، ومعنى إخلاصها تصفية الباعث عن الشّوب.

إذا حصل العمل بباعث النية، فالنية والعمل بهما تمام العبادة. فالنية أحد جزئي العبادة، لكنها خير الجزءين، لأن الأعمال بالجوارح ليست مرادة إلا لتأثيرها في القلب، ليميل إلى الخير، وينفر عن الشر، فيتفرغ للفكر والذكر الموصلين له إلى الأنس والمعرفة، اللذين هما سبب سعادته في الآخرة. فليس المقصود من وضع الجبهة على الأرض، وضع الجبهة على الأرض، بل خضوع القلب؛ ولكن القلب يتأثر بأعمال الجوارح. وليس المقصود من الزكاة إزالة الملك، بل إزالة رذيلة البخل، وهو قطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت