إذا عرفت حقيقة التوبة انكشف لك أنها واجبة على كل أحد، وفي كل حال؛ ولذلك قال الله تعالى: {وتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا} [النور:31] ، فخاطب الجميع مطلقا. أما وجوبها فلأن معناها معرفة كون الذنوب مهلكة، والانبعاث لتركها، وهو جزء من الإيمان، أعني هذه المعرفة، فكيف لا تجب؟ وأما وجوبها على كل واحد فهو أن الإنسان مركب من صفات بهيمية وسبعيّة وشيطانية وربوبية، حتى يصدر من البهيمية الشهوة والشره والفجور، ومن السّبعية الغضب والحسد والعداوة والبغضاء، ومن الشيطانية المكر والحيلة والخداع، ومن الربوبية الكبر والعز وحب المدح والاستيلاء. وأصول هذه الأخلاق هذه الأربع، وقد عجنت في طينة الإنسان عجنا محكما لا يكاد يتخلص منها، وإنما ينجو من ظلماتها بنور الإيمان المستفاد من العقل والشرع. فأول ما يخلق في الآدمي البهيمية فيغلب عليه الشّره والشهوة في الصبا، ثم يخلق فيه السّبعية فيغلب عليه المعاداة والمنافسة، ثم يخلق فيه الشيطانية فيغلب عليه المكر والخداع، إذ تدعوه السبعية والبهيمية إلى أن يستعمل كياسته في حيل قضاء الشهوة وتنفيذ الغضب. ثم يظهر فيه بعد ذلك صفات الربوبية، وهو الكبر والاستيلاء وطلب العلو. ثم بعد ذلك يخلق العقل الذي يظهر فيه نور الإيمان وهو من حزب الله وجنود الملائكة. وتلك الصفات من جنود الشيطان. وجنود العقل يكمل عند الأربعين، ويبدو أصله عند البلوغ. وأما سائر جنود الشيطان يكون قد سبق إلى القلب قبل البلوغ، واستولى عليه وألفته النفس، واسترسلت في الشهوات متابعة لها، إلى أن يرد نور العقل فيقوم القتال والتطارد بينهما في معركة القلب. فإن ضعف جند العقل ونور الإيمان لم يقو على إزعاج جنود الشيطان فتبقى جنود الشيطان مستقرة آخرا كما سبق إلى النزول أولا، وقد سلم للشيطان مملكة القلب. وهذا القتال ضروري في فطرة الآدمي، إذ لا يتّسع له خلقة الولد لما لا يتسع له خلقة الأب؛ وإنما حكى لك حال آدم صلوات الله عليه لتتنبّه به أن ذلك كان مكتوبا عليه، وهو مكتوب على جميع أولاده في القضاء الأزلي الذي لا يقبل التبديل؛ فإذا لا يستغني أحد عن التوبة.
وأما وجوبها في كل حال، فلأن الإنسان لا يخلو في جميع أحواله عن ذنب في جوارحه أو في قلبه، ولا يخلو عن خلق من الأخلاق الذميمة مما يجب تزكية القلب عنه،