فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 189

قال الله سبحانه: {مَثَلُ الَّذِيْنَ يُنْفِقُوْنَ أَمْوَالَهُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِيْ كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة:261] . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك الأكثرون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا» . فاعلم أن إنفاق المال في الخيرات أحد أركان الدين؛ وإنما سر التكليف به بعد ما يرتبط به من مصالح البلاد والعباد، وسد الخلاّت (1) والفاقات. فإن المال محبوب الخلق، وهم مأمورون بحب الله، ويدعون الحب بنفس الإيمان، فجعل بذل المال معيارا لحبهم، وامتحانا لصدقهم في دعواهم؛ فإن المحبوبات كلّها تبذل لأجل المحبوب الأغلب حبّه على القلب، فانقسم الخلق فيه إلى ثلاث طبقات:

الطبقة الأولى: الأقوياء؛ وهم الذين أنفقوا جميع ما ملكوا ولم يدخروا لأنفسهم شيئا، فهؤلاء صدقوا ما عاهدوا الله عليه من الحب، كما فعل أبو بكر الصديق، إذ جاء بماله كله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ذا أبقيت لنفسك» ؟ فقال: «الله ورسوله» . وقال لعمر - رضي الله عنه - «ما ذا أبقيت لنفسك» ؟ قال «مثله» أي مثل ما أتيت به. فقال صلى الله عليه وسلم: «بينكما مثل ما بين كلمتيكما» .

الطبقة الثانية: المتوسطون؛ وهم الذين لم يقدروا على إخلاء اليد عن المال دفعة واحدة، ولكن أمسكوه لا للتنعم، بل للإنفاق عند ظهور محتاج إليه، فهم يقنعون في حق أنفسهم بما يقوّيهم على العبادة، وإذا عرض محتاج بادروا إلى سد خلّته وحاجته، ولم يقتصروا على قدر الواجب من الزكاة. وإنما غرضهم الأظهر في الإمساك ترصد الحاجات.

الطبقة الثالثة: الضعفاء؛ وهم المقتصرون على أداء الزكاة الواجبة، فلا يزيدون عليها ولا ينقصون منها.

فهذه درجاتهم؛ وبذل كل واحد على مقدار حبه لله. وما أراك تقدر على الدرجة الأولى والثانية، ولكن اجتهد حتى تجاوز الدرجة الثالثة إلى أواخر طبقات المقتصدين

(1) الخلات: جمع خلّة وهي الحاجة والفقر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت