فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 189

الْمُتَوَكِّلِينَ [آل عمران:159] وقال: {ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3] وقال: {أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ} [الزمر:36] وقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت:17] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم تتوكّلون على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا (1) » ، وقال: «من انقطع إلى الله كفاه الله تعالى كلّ مئونة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها» . وكان رسول الله إذا أصاب أهله خصاصة قال: «قوموا إلى الصلاة» ، ويقول: «بهذا أمرني ربي فقال: وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا، نحن نرزقك، والعاقبة للتّقوى» .

حقيقة التوكل عبارة عن حالة تصدر عن التوحيد، ويظهر أثرها على الأعمال، فهي ثلاثة أركان: المعرفة، والحال، والعمل.

الركن الأول: المعرفة، وهي الأصل، وأعني بها التوحيد، فإنه إنما يتوكل على الله من لا يرى فاعلا سوى الله. وكمال هذه المعرفة يترجمه قولك: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» ، إذ فيه إيمان بالتوحيد، وكمال القدرة والجود والحكمة التي يستحق بها الحمد. فمن قال ذلك صادقا مخلصا فقد تمّ توحيده، وثبت في قلبه الأصل الذي منه ينبعث حال التوكل؛ وأعني بالصدق فيه أن يصير معنى القول وصفا لازما لذاته، غالبا على قلبه، لا يتّسع لتقدير غيره.

هذا التوحيد له لبّان وقشران، وطباقه أربع، كاللوز، له لبّ ثم الدّهن لبّ لبّه، والقشرة العليا قشر قشره. فالقشرة العليا القول باللسان المجرّد. الثانية: الاعتقاد بالقلب جزما، وهو درجة عوام الخلق، ودرجة المتكلمين، إذ لا يتميزون عن العوام إلا بمعرفة الحيلة في دفع تشويش المبتدعة عن هذه الاعتقادات. الثالثة: وهي اللّب، أن ينكشف بنور الله عز وجل حقيقة هذا التوحيد وسرّه بالحقيقة. وذلك بأن يرى الأشياء الكثيرة، ويعلم أنها بجملتها صادرة عن فاعل واحد على الترتيب. وذلك بأن يعرف سلسلة

(1) خماصا جائعة، وبطانا: شبعانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت