فإنها مبدأ طريق السالكين، ومفتاح سعادة المريدين. قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة:222] . وقال الله تعالى: {وتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا} [النور:31] ، وقال النبي عليه السلام: «التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له» . وقال عليه السلام: «الله أفرح بتوبة عبده المؤمن من رجل نزل في أرض فلاة دوية (1) مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة، فاستيقظ وقد ذهبت راحلته فانفلتت، فطلبها حتى اشتد عليه الجوع والعطش أو ما شاء الله عز وجل؛ قال أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ فإذا راحلته عنده، وعليها زاده وشرابه. فالله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده» .
حقيقة التوبة الرجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب، ولكن لها ركن ومبدأ وكمال: أما مبدؤها فهو الإيمان، ومعناه سطوع نور المعرفة على القلب حتى يتّضح فيه أن الذنوب سموم مهلكة، فيشتعل منه نار الخوف والندم، وينبعث من هذه النار صدق الرغبة في التلافي والحذر. أما في الحال فبترك الذنوب، وأما في الاستقبال فبالعزم على الترك، وأما في الماضي فبالتلافي على حسب الإمكان؛ وبذلك يحصل الكمال.
(1) الدّوّيّة والداوية: الفلاة.