فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 189

فإنه مبعد عن الله، والاشتغال بإماطته توبة، لأنه رجوع عن طريق البعد إلى طريق القرب. فإن خلا عن جميع ذلك فلا يخلو عن غفلة عن الله، وذلك أيضا طريق البعد. ويلزمه الرجوع عنه بالذكر، ولذلك قال الله تعالى: {واُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ} [الكهف:24] ، وإن كان حاضرا على الدوام؛ وأنّى يتصور ذلك؟ فلا يخلو عن ملازمة مقام نازل عن المقامات الرفيعة وراءه، وعليه أن يترقى منه إلى ما فوقه؛ ومهما ترقى منه استغفر عن مقامه الذي خلّفه، لأنه تقصير بالإضافة إلى ما أدركه؛ وذلك لا نهاية له، فذلك قال عليه السلام: «و إنه ليغان (1) على قلبي حتى أستغفر الله تعالى في اليوم والليلة سبعين مرة» . وكل ذلك كان توبة منه؛ إلا أن توبة العوام عن الذنوب الظاهرة، وتوبة الصالحين عن الأخلاق الذميمة الباطنة، وتوبة المتقين عن مواقع الريبة، وتوبة المحبين عن الغفلة المنسية للذكر، وتوبة العارفين عن الوقوف على مقام يتصور أن يكون وراءه مقام: والمقامات في القرب من الله لا نهاية لها، فتوبة العارف لا نهاية لها أيضا.

التوبة إذا اجتمعت شرائطها، فهي مقبولة لا محالة. ولا يخفى عليك ذلك إن فهمت معنى القبول؛ فمعنى القبول: أن يحصل في قلبك استعداد القبول لتجلي أنوار المعرفة في القلب، وإنما قلبك كالمرآة يحجبه عن التجلي كدورات الشهوة والرغبة فيها، ويرتفع من كل ذنب ظلمة إليه، ومن كل حسنة نور إليه، فالحسنات تصقل النفس، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» . ونسبة التوبة إلى القلب نسبة الصابون إلى الثوب، ولا بد أن يزول منه الوسخ إذا استعمل فيه على وجهه. ومن تاب فإنما يشك في قبول التوبة لأنه ليس يستيقن تمام شروطها، كما أن من شرب المسهل لا يستيقن حصول الإسهال به لأنه لا يدري وجود تمام الشرائط في أدويتها، ولو تصور أن يعلم ذلك، لتصوّر أن يعلم القبول في حق الشخص المعين. ولكن هذا الشك في الأعيان لا يشكّكنا في أنّ التوبة في نفسها بطريق القبول لا محالة.

علاج التوبة حل عقدة الإصرار، فإنه لا مانع منها سوى الإصرار، ولا حامل عليه

(1) يغان على قلبي: تغشته الشهوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت