فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 189

سوى الغفلة والشهوة؛ وذلك مرض في القلب، وعلاجه كعلاج أمراض البدن. لكن هذا المرض أكثر من مرض الأبدان لثلاثة أسباب:

أحدها: أنه من مرض لا يعرف صاحبه أنه مريض، وهو كبرص على وجه من لا مرآة له، فإنه لا يعالجه لأنه لا يعرفه، ولو أخبره غيره ربما لم يصدقه. الثاني: أن عاقبة هذا المرض لم يشاهدها الإنسان ولم يجرّبها، فلذلك تراه يتكل على عفو الله ويجتهد في علاج مرض البدن غاية الجهد. الثالث: وهو الداء العضال فقد الأطباء؛ فإن الطبيب هو العالم العامل. وقد مرض العلماء في هذه الأعصار مرضا عسر عليهم علاج أنفسهم، لأن الداء المهلك هو حب الدنيا، وقد غلب ذلك على العلماء، واضطرّوا إلى الكف عن تحذير الخلق من الدنيا كيلا تنكشف فضيحتهم، فافتضحوا لمّا اصطلحوا على الإقبال على الدنيا والتجاذب لها والتكالب عليها. فبهذا السبب عم الداء وانقطع الدواء، واشتغل الأطباء بفنون الإغواء، فليتهم إذا لم يصلحوا لم يفسدوا، وليتهم سكتوا وما نطقوا، بل صار كل واحد كأنه صخرة في فم الوادي، لا هي تشرب ولا تترك الماء ليشر به غيرها.

وجملة القول في علاجه أن تنظر في سبب الإصرار وهو يرجع إلى خمسة أبواب:

أولها: أن العقاب الموعود ليس بنقد، والطبع يستهين بما لا يوجد محققا في الحال. وعلاجه أن تتفكر لتعلم أن كلّ ما هو آت قريب، وأن البعيد ما ليس بآت، وأن الموت أقرب إلى كل أحد من شراك نعله؛ فما يدريه لعله في آخر أيامه، أو في آخر سنة من عمره، ثم يتفكر أنه كيف يتعب في الأسفار فيركب الأخطار خوفا من الفقر في الاستقبال.

الثاني: أن اللّذات والشهوات أخذت بمخنقه في الحال، فليس يقدر على قلعها، وعلاجه أن يتفكر أنه لو ذكر له طبيب نصرانيّ بأن شرب الماء البارد يضره ويسوقه إلى الموت، وهو ألذّ الأشياء عنده، كيف يتركه! فليعلم أن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أصدق من الطبيب النصراني، والخلود في النار أشد من الموت بالمرض، وليقرر على نفسه أنه إذا كان يشق عليه ترك اللذات أياما قلائل، فكيف لا يشق عليه ملابسة النار والحرمان عن الفردوس ونعيمه أبد الدهر؟

الثالث: أنه يسوّف بالتوبة يوما فيوما؛ وعلاجه أن يتفكر ويعلم أن بناء خطر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت