فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 189

إنما ضعفت شهوة معرفة الله تعالى لزحمة سائر الشهوات، وإنما خفيت معرفة الله تعالى مع جلائها لشدة ظهورها؛ ومثاله: أنك تعلم أن أظهر الأشياء المحسوسات، ومنها المبصرات، ومنها النور الذي به يظهر لك الأشياء. ثم لو كانت الشمس دائمة لا تغيب ولا يقع لها ظل، لكنت لا تعرف وجود النور، وكنت تنظر إلى الألوان فلا ترى إلا الحمرة والسواد والبياض. فأما النور فلا تدركه إلا بأن تغيب الشمس، أو يقع لها حجاب بما له ظل، فتدرك - باختلاف الأحوال بين الظلمة والضياء - أن النور شيء آخر، يعرض للألوان فتصير مبصرة؛ ولو تصوّر لله سبحانه غيبة أو لأنوار قدرته حجاب عن بعض الأشياء لأدركت من التفاوت ما يضطر معه إلى المعرفة. ولكن الموجودات كلها، لما تساوت في الشهادة لخالقها بالوحدانية من غير تفاوت، خفي الأمر لشدّة جلائه. ولو تصور انقطاع أنوار قدرته عن السموات والأرض، لانهدمت وانمحقت وأدرك في الحال من التفاوت ما يضطر إلى المعرفة بالقدرة والقادر.

وهذا مثال ما ذكرناه، وتحته أسرار، وفيه مواقع غلط؛ فاجتهد، لعلك تقف على أسراره، ولا ترتبك في مواقع غلطه، فمنه غلط من قال: إنه في كل مكان. وكل من نسبه إلى مكان أو جهة فقد ذلّ فضلّ، ورجع غاية نظره إلى التصرف في محسوسات البهائم، ولم يجاوز الأجسام وعلائقها. وأول درجات الإيمان مجاوزتها، فيه يصير الإنسان إنسانا فضلا عن أن يصير مؤمنا.

اعلم أن للمحبة علامات كثيرة، يطول إحصاؤها. ومن علاماتها تقديم أوامر الله تعالى على هوى النفس، والتوقّي بالورع، ورعاية حدود الشرع. ومن علاماتها الشوق إلى لقاء الله، والخلو عن كراهية الموت إلا من حيث يتشوق إلى زيادة المعرفة، فإن لذة المشاهدة بقدر كمال المعرفة، فإنها بدء المشاهدة، فتختلف لا محالة باختلافها. ومن علاماتها الرضاء بالقضاء بمواقع قدر الله عز وجل؛ فلنذكر معنى الرضاء حتى لا يغتر الإنسان بما يصادف في نفسه من خطرات تخطر، فيظن أنها حقيقة الحب لله تعالى، فإن ذلك عزيز جدّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت