فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 189

العجيب على ما هو عليه من البهاء والعظمة والجلال والمجد، في قلب العارف، كما تنطبع مثلا صورة العالم المحسوس في حواسك، فكأنك تنظر إليه وإن غمضت عينيك. فإن فتحت العين ووجدت الصورة المبصرة مثل الصورة المتخيلة قبل فتح العين لا تخالفها في شيء إلاّ أن الإبصار في غاية الوضوح بالنسبة إلى التخيل. وكذلك ينبغي أن تعلم أن في إدراك ما لا يدخل في الخيال والحس أيضا في درجتين متفاوتتين في الوضوح غاية التفاوت، ونسبة الثانية إلى الأولى كنسبة الإبصار إلى التخيل، فتكون الثانية غاية الكشف، فيسمى لذلك مشاهدة ورؤية. والرؤية لم تسمّ رؤية لأنها في العين، إذ لو خلقت في الجبهة لكانت رؤية؛ بل لأنها غاية الكشف. وكما أن تغميض الأجفان حجاب من غاية الكشف في المبصر، فكدورة الشهوات وشواغل هذا القالب المظلم حجاب عن غاية المشاهدة؛ ولذلك قال الله تعالى: {لَنْ تَرانِي} [الأعراف: 143] . وقال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ} [الأنعام:103] . فإذا ارتفع هذا الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة، ويكون مشاهدة كل واحد على قدر معرفته؛ ولذلك تزيد لذة أولياء الله سبحانه في النظر على لذة غيرهم، ويتجلّى الله تعالى لأبي بكر - رضي الله عنه - خاصة، ويتجلى للناس عامة. وكذلك لا يراه إلا العارفون؛ لأن المعرفة بدء النظر، بل هي التي تنقلب مشاهدة، كما ينقلب التخيل إبصارا. فلذلك لا يقتضي مقابلة وجهه. وسرّ هذا طويل، فاطلبه من كتاب المحبة في الإحياء.

لو كان معشوقك وأنت تراه من وراء ستر رقيق في وقت الإسفار وفي حالة ضعف الضوء، وفي حالة اجتمع عليك تحت ثوبك عقارب وزنابير تلدغك وتشغلك، فلا يخفى أن لذتك من مشاهدة معشوقك تضعف. فلو أشرقت الشمس دفعة واحدة فارتفع الستر الرّقيق، وانصرفت عنك العقارب والزنابير، وهجم عليك العشق المفرط البليغ، فلا نسبة لهذه اللذة العظيمة التي تحصل الآن إلى ما كان قبل ذلك. وكذلك فافهم أنه لا يشبه لذة النظر إلا لذة المعرفة بل هي أعظم منها كثيرا. والستر الرّقيق قالبك. والعقارب شواغل الدنيا وغمومها وشهواتها، وهجوم العشق شدة الشهوة لانقطاع المضعّفات والمنغّصات عنها، وإشراق الشمس هو استعداد حدقة القلب لاحتمال تمام التجلّي، فإنها في هذه الحياة لا يحتمل بصر الخفّاش نور الشمس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت