المطلق في الظاهر ممقوت، والحسن المطلق معشوق، وما بينهما درجات، فالقريب من الحسن المطلق أسعد في الدنيا من القريب إلى القبح المطلق. وكذلك تتفاوت سعادة الآخرة بحسب تفاوت حسن الصورة الباطنة.
اعلم أنك قد تظن بنفسك حسن الخلق وأنت عاطل عنه، فإياك أن تغتر، وينبغي ان تحكّم فيه غيرك فتسأل عنه صديقا بصيرا لا يداهنك. وبالجملة إذا نسبك غيرك إلى سوء الخلق أوشك أن تكون كذلك؛ لأن أكثر الأخلاق يتعلق بالغير فينبغي أن تظهر لهم.
و من مواقع الغرور فيه مثلا أن تغضب فتظن أنك تغضب الله تعالى، وتظهر العبادة وتظن أنك تظهر للاقتداء، أو تكف عن الأكل أو طلب الدنيا أو تكظم الغيظ. وإنما يهون عليك ذلك أن تعرف به فيكون الرياء الباعث على الجميع. وكذلك يكثر مواقع الغرور فيه على ما ذكرناه في كتاب الغرور؛ فإن هذا الكتاب لا يحتمل استقصاءه.
ينبغي أن تتفقد هذه الأخلاق في قلبك، وتبدأ بالأهم فالأهم، فتقبل على أغلب هذه الصفات فتكسرها على التدريج. وأظن أن الأغلب عليك حبّ الدنيا، وسائر المعاصي والأخلاق المذمومة تتبعها. ولا يمكنك الخلاص من حب الدنيا إلا بأن تطلب خلوة خالية، وتتفكر في سبب إقبالك على الدنيا وإعراضك عن الآخرة، فلا تجد له سببا إلا محض الجهل والغفلة، فإن أقصى عمرك في الدنيا مائة سنة. فهب أن مملكة وجه الأرض تسلم لك من المشرق إلى المغرب في مائة سنة، أَليس يفوتك بها المملكة في مدة لا آخر لها وهي مملكة الآخرة؟ فإن كان لا يدخل في خيالك طول الأبد، فقدّر الدنيا كلّها مملوءة ذرة، فقدّر طائرا يأخذ في كلّ ألف ألف سنة حبة واحدة فتفنى الذرة ولم ينقص من الأبد شيء، لأن الباقي أيضا لا نهاية له كما كان قبل ذلك. وأنت ترى نفسك ترضى بتعب الأسفار إمّا في تجارة أو طلب رئاسة، وهذا التعب الناجذ (1) لأجل شيء موهوم ربما يدركك الموت قبله، وربما لا يصفو لك إن ظفرت به؛ وإنما ترضى
(1) الناجذ: الشديد المستحكم.