بذلك لأنك تستحقر التعب سنة مثلا بالإضافة إلى بقية العمر، وجملة عمرك بالإضافة إلى الأبد أقلّ من سنة بالإضافة إلى عمرك، بل لا إضافة بينهما، فتفكر فيه لينكشف لك جهلك على القرب. ولعلك تقول إنما أفعل ذلك على توقع العفو، فإن الله تعالى كريم رحيم. فأقول: ولم لا تترك الحراثة والتجارة وطلب المال على توقع العثور على كنز في خراب، فإن الله كريم لا ينقص من ملكه شيء لو عرّفك في منامك كنزا من الكنوز حتى تأخذه؟ فإن قلت: ذلك نادر وإن كان داخلا في قدرة الله تعالى. فاعلم أن توقع العفو مع خراب الأعمال والأخلاق كتوقع كنز في خراب بل أبعد منه وأندر؛ وقد نبهك الله تعالى عليه وقال: وأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلّا ما سَعى [النجم:39] ، وقال الله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ} [ص:28] الآية.
ورغبك عن طلب المال فقال الله تعالى: {وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلّا عَلَى اللهِ رِزْقُها} [هود:6] .
فما بالك تكذّب بكرمه في الدنيا ولا تتكل عليه، ثم تخدع نفسك بالكرم في الآخرة وأنت تعلم أن رب الدنيا والآخرة واحد؟
لعلك تقول: عواقب أمور الدنيا قد انكشفت لي بالعيان واطمأن قلبي إليها، وأما أمر الآخرة فلم أشاهده ولست أجد تصديقه الحقيقي في قلبي؛ فلذلك فترت رغبتي في ترك الدنيا نقدا بما هو موعود نسيئة ولست أثق به. فأقول: لو كنت من أرباب البصائر لانكشف لك أمر الآخرة صريحا كما انكشف أمر الدنيا؛ وإذا لم تكن من أهله فتفكر في أقاويل أرباب البصائر، فإن الناس في أمر الآخرة أربعة أصناف:
صنف أثبتوا الجنة والنار كما ورد به القرآن، وقد سمعت أنواع نعيمها وأنكال جحيمها.
و صنف لم يثبتوا اللّذات والآلام الحسية بل أثبتوهما على سبيل التخيل، كما في المنام، حتى يكون كل واحد في جنة أو نار يراها وحده، وزعموا أن تأثير ذلك فيه كتأثير الحقيقة، لأن تألم النائم كتألم اليقظان، وإنما يخلص عنه بالتنبه، وذلك في الآخرة دائم لا انقطاع له.