فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 189

وصنف ثالث أثبتوا آلاما عقلية ولذات عقلية، وزعموا أن ذلك أعظم من الحسية، ومثلوا ذلك باستشعار لذة الملك واستشعار زوالها؛ فإن زوال الملك يؤرث (1) آلاما كثيرة بدنية على ما يظفر به عدوه ويأخذ مملكته ويستسخره، مع أن ظفر العدوّ لا يؤلم البدن.

وهؤلاء هم أصناف النظّار، أعني الأصناف الثلاثة، وهم الأنبياء والأولياء والحكماء، وكلّهم اتفقوا على إثبات سعادة مؤبدة وشقاوة مؤبدة. فإن السعادة لا تنال إلا بترك الدنيا والإقبال على الله عزّ وجلّ، ولو مرضت ولم تكن من أهل البصيرة في طب ورأيت أفاضل الأطباء قد اتفقوا على شيء لم تتوقف في اتباعهم.

و صنف رابع ليسوا من النظّار في الأمور الإلهية، بل من الأطباء والمنجمين اقتصر نظرهم على الطبائع الأربع ومزاجها، ورأوا قوام الروح موقوفا عليها، ولم يتفطنوا لحقيقة الرّوح الإلهيّ الحقيقي الذي هو العارف بالله تعالى، بل لم يدركوا إلا الروح الجسماني الذي هو بخار أنضجته حرارة القلب، ينتشر في العروق الضوارب إلى جميع البدن، فيقوم به الحس والحركة، وهي الروح التي توجد للبهائم أيضا.

فأما الروح الخاص الإنساني المنسوب إلى الله سبحانه، حيث قال: {ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر:29، ص:72] ، فلم يتفطنوا لها، فظنوا أن الموت عدم، وأنه يرجع إلى فساد المزاج. وأنت في حق هؤلاء بين أمرين: إما أن تجوّز غلطهم، أو تعلم قطعا صحة قولهم؛ فإن جوّزت خطأهم لزمك الإعراض عن الدنيا بمجرد الاحتمال، فإنك لو كنت صادق الجوع وظفرت بطعام وهممت بأكله، فأخبرك صبي أن فيه سمّا وأن حية ولغت فيه، قاسيت الجوع وتركت الأكل، لأنك تقول: إن كان كاذبا فليس تفوتني إلاّ لذة الأكل، وإن كان صادقا ففيه الهلاك؛ وبمثل هذا الاحتمال لا يمكن الهجوم عليه. فليت شعري مع احتمال الخلود في النار كيف يستجرئ العاقل الهجوم عليه، فكيف لا يكون كاليقين التام في الحذر منه، حتى تنبه الشاعر عليه مع ركاكة عقله فقال:

(1) كانت في الأصل يؤثر وهو تصحيف ظاهر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت