فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 189

حالتك التي كنت عليها، فلم تزد ولم تنقص ولم تتكلف إظهار الفعل وإيثاره، فقد اندفع عنك الإثم ولم تكلف أكثر من ذلك. وأما دفع الخواطر ودفع الطبع عن الميل إلى أقوال الناس، فلا يدخل تحت التكليف، وإنما منتهى التكليف الكراهية والإباء عن إجابة الداعية.

يجوز إظهار الطاعات لأجل اقتداء الناس وترغيبهم إذا صحت النية، ولم يكن معه شهوة خفية، وعلامته أن يقدّر أن الناس لو اقتدوا بأحد أقرانه وكفي مئونة الترغيب، وأخبر بأن أجره في الإسرار كأجره في الإظهار فلا يرغب في الإظهار؛ فإن كان ميله إلى أن يكون هو المقتدى به أكثر، ففيه داعية الرياء، لأنه إن كان يطلب سعادة الناس وخلاصهم، فقد حصل ذلك بغيره ولم يفته إلا إظهار نفسه. وكذلك يجوز كتمان المعاصي والذنوب، ولكن بشرط أن يكون غرضه أن لا يعتقد فيه الورع، بل لا يعتقد فيه الفسق، ولا بأس بفرحه باستتار معاصيه، وحزنه بانكشافها، إما فرحا بستر الله عليه، وإما فرحا بموافقة أمر الله تعالى، فإنه تعالى يحب كتمان المعاصي، وينهى عن المجاهرة بها. وإما لأنه يكره أن يذم فيتألم به، إذ التألم بذم الناس ليس بحرام بل يوجبه الطبع، وإنما الحرام الفرح بمدح الناس إياه بالعبادة؛ فإن ذلك كأجر يأخذه على العبادة. وإما لأنه يستحي من ظهورها، والحياء غير الرياء، ولكن قد يمتزج به. وأما ترك الطاعة خوفا من الرياء فلا وجه له.

قال الفضيل: الرياء ترك العمل خوفا من الرياء، أما العمل لأجل الناس فهو شرك، بل ينبغي أن يعمل ويخلص، إلا إذا كان العمل فيما يتعلق بالخلق كالقضاء والإمامة والوعظ. فإذا علم من نفسه أنه بعد الخوض فيه لا يملك نفسه، بل يميل إلى دواعي الهوى، فيجب عليه الإعراض والهرب، كذلك فعل جماعة من السلف. وأما الصلاة والصدقة فلا يتركهما إلا إذا لم تحضره أصلانية العبادة. بل لو تجرّد نية الرياء فلا يصح عمله فليتركه (1) . أما من اعتاد فعله فحضر جماعة فيخاف على نفسه من الرياء، فلا

(1) هكذا في النسخة التي بين أيدينا والمعنى مهزوز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت