كيف وقد انضم إليه العقوبة وإحباط العبادة، وأنه ربما يترجح به كفة السيئات بعد أن قارنت كفة الحسنات، فيكون سبب هلاكه! وليقرر على نفسه أن رضى الناس غاية لا تدرك، ومن طلب رضي الناس بسخط الله تعالى أسخط الله عليه. فكيف يترك رضى الله بما لا يطمع في حصوله؟
وأما الباعث الثاني، وهو الخوف من ذمهم؛ فيقرر على نفسه أن ذمهم لن يضره إن كان محمودا عند الله عز وجل، ولم يتعرض لذم الله ومقته خوفا من ذم الخلق، ويكفيه أن الناس لو علموا ما في باطنه من قصد الرياء لمقتوه، ويأبى الله إلا أن يكشف سره حتى يعرف نفاقه فيمقته الناس أيضا بعد أن يمقته الله عز وجل. ولو أخلص وأعرض بقلبه عنهم وجرّد نظره إلى الله تعالى لكشف لهم إخلاصه له وأحبوه.
وأما باعث الطمع، فيدفعه بأن يعلم أن ذلك أمر موهوم، وفوات رضي الله تعالى ناجز، ويعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب، وأن من طمع في الخلق لم يخل عن الذل والمهانة والمنّة، ومن أعرض عن الطمع في الخلق كفاه الله تعالى وسخر له القلوب. فإذا أحضر في قلبه نعيم الآخرة والدرجات الرفيعة، وعلم أن ذلك يفوت بالرياء أعرض قلبه عن الخلق واجتمع همه وفاضت عليه أنوار الإخلاص وأمده الله سبحانه بمعونته وتوفيقه.
لعلك تقول إني قرّرت هذا كله في نفسي، ونفر عن الرياء قلبي، ولكن ربما هجم عليّ وارد الرياء بغتة في بعض العبادات عند اطّلاع الخلق، فما العلاج منه عند هجومه؟ فاعلم أن أصل هذا العلاج، أن تخفي عبادتك كما تخفي فواحشك، ففيه السلامة. روي أن بعض أصحاب أبي حفص الحداد ذمّ الدنيا وأهلها فقال له: أظهرت ما كان سبيلك أن تخفيه، لا تجالسنا بعد هذا. وإخفاء العبادة، إنما يشق في البداية، فإذا صار عادة ألف الطبع لذة المناجاة في الخلوة. ومهما هجم وارد الرياء فعلاجه أن تجدّد على قلبك ما رسخ فيه من قبل من المعرفة بالتعرض لمقت الله عز وجل، مع عجز الناس عن منفعتك ومضرّتك، حتى تنبعث منه كراهية لداعية الرياء. ثم الشهوة تدعو إلى إجابة الرياء بتحسين العمل والفرح به، والكراهية تدعو إلى رده والإعراض عنه، وتكون اليد للأقوى. فإن قويت الكراهية حتى منعتك من الركون إليه، واستصحبت