فاعلم أن وارد الرياء لا يخلو إما أن يرد مع أول العمل، أو في دوامه، أو بعد الفراغ منه. أما ما يقارن الابتداء فيبطله ويمنع انعقاده إن صار باعثا مؤثرا في الحمل على العمل، بل أول العقد يجب أن يكون خالصا، وإنما يبطل بالرياء الباعث على أصل العمل. وأما إذا لم يحمل إلا على المبادرة في أول الوقت مثلا، فأظن - والعلم عند الله تعالى - أن أصل الصلاة يصح، وإنما تفوته فضيلة المبادرة، ويعصي بقصد المراءاة به، ولكن يقصد الفرض عنه. وأما ما يرد في دوام الصلاة - إن أبطل باعث الصلاة - فتبطل الصلاة؛ مثاله: أن يحضر في أثناء الصلاة أوطاره. أو يتذكر نسيان شيء، ولو خلا لقطع الصلاة، لكنه أتمّ حياء من الناس، فهذا لا يسقط الفرض عنه، لأن النية قد انقطعت وانقطع باعث العبادة؛ وأما إذا لم تنقطع نيته، لكن صار مغلوبا مغمورا كما لو حضر قوم فغلب على قلبه الفرح باطلاعهم، وانغمر باعث العبادة، فغالب الظن أنه إن انقضى ركن ولم يعاوده الباعث الأصلي فسدت صلاته؛ لأنّا نستصحب نية البداية بشرط أن لا يطرأ ما لو قارن ابتداءها لمنع. وإن لم ينغمر باعث العبادة، ولكن حصل مجرد سرور ولم يؤثر في العمل، بل في تحسين الصلاة فقط، فغالب الظن أن الصلاة لا تفسد ويتأدّى الفرض. وأما ما يطرأ بعد الصلاة من ذكر وسرور ومراءاة فلا ينعطف على ما مضى ولكن يعصي به ويأثم، ويكون عقابه بقدر قصده وإظهاره. ومهما ظهرت له داعية ذكر العبادة إما بالتصريح وإما بالتعريض، فذلك يدل على أن الرياء كان خفيّا في باطنه.
إذا عرفت حقيقة الرياء، وكثرة مداخلته، فعليك بالتشمّر في معالجته. وعلاجه في دفع الأسباب الباعثة عليه وهي ثلاث: حب المدح، وخوف الذم، والطمع.
أما حب المدح، فكمن يهجم على صف القتال ليقال إنه شجاع، أو يظهر العبادات ليقال إنه ورع. وعلاجه ما تقدم في علاج حبّ الجاه، وهو أن تعلم أنه كمال وهميّ، لا حقيقة له. وعلاجه في الرياء خاصة، أن يقرر على نفسه ما فيه من الضرر، فإن العسل - وإن كان لذيذا - فإذا علم أن فيه سمّا سهل تركه. فليقرّر على نفسه أنه يقال له في يوم فقره بسبب ريائه: يا فاجر يا غاوي استهزأت بالله عز وجل وراقبت العباد وتحببت إليهم، واشتريت حمدهم بذم الله تعالى، وطلبت رضاءهم بسخطه، أَما كان أحد أهون عليك من الله تعالى؟ فلو لم يكن إلا هذا الخزي والخجلة، لكان كافيا في المنع عنه،