دموعه. وقال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - لطائر: «ليتني مثلك يا طائر ولم أخلق» . وقال أبو ذر - رضي الله عنه: «وددت لو أني شجرة تعضد» (1) . وقالت عائشة - رضي الله عنه: «وددت لو أني نسيا منسيّا» . وقد حكينا أحوال الخائفين في كتاب الخوف فليتأمل القاصر عن ذروة المعرفة، أحوال الأنبياء والأولياء والعارفين، ليعلم أنه أحقّ بالخوف منهم، وإذا تأمل ذلك بالحقيقة غلبه خوفه.
الخوف سوط يسوق العبد إلى السعادة. ولا ينبغي أن يفرط بحيث يورث القنوط، فذلك مذموم؛ بل إذا غلب ينبغي أن يمزج الرجاء به. نعم، ينبغي أن يغلب الخوف الرجاء ما دام العبد مقارفا للذنوب، فأما المطيع المتجرد لله تعالى، فينبغي أن يعتدل خوفه ورجاؤه، مثل عمر - رضي الله عنه - حيث قال: «لو نودي ليدخلن الجنة جميع الخلق إلا رجل واحد لخفت أن أكون أنا ذلك الرجل، ولو نودي ليدخلن النار جميع الخلق إلا رجل واحد لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل» . وأما اذا قرب الموت فالرجاء وحسن الظن بربه أولى به، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربّه» .
والرجاء يخالف التمنّي، فإن من لا يتعاهد الأرض ولا يبث البذر، ثم ينتظر الزرع، فهو متمنّ مغرور فليس براج، إنما الرّاجي من تعهد الأرض وسقاها، وبث البذر وحصل كل سبب يتعلّق باختياره، ثم بقي يرجو أن يدفع الله الصواعق والقواطع، وأن يمكّنه من الحصاد بعد الإنبات، ولذلك قال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا وجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218] . وبالجملة فثمرة الرجاء الترغيب في الطلب، وثمرة الخوف الترغيب في الهرب. ومن رجا شيئا طلبه، ومن خاف شيئا هرب منه. وأقلّ درجات الخوف ما يحمل على ترك الذنوب، وعلى الإعراض عن الدنيا، وما لا يحمل على ذلك فهو حديث نفس، وخواطر لا وزن لها، تشبه رقة النساء، ولا ثمرة لها؛ بل الخوف إذا تم أثمر الزهد في الدنيا، فلنذكر الزهد ومعناه:
(1) أي تقطع وعضده قطعه.