المصري كان محبوسا جائعا، فبعثت إليه امرأة صالحة من طيّب مالها طعاما على يد السجان، فلم يأكل منه واعتذر أنه جاءني على طبق ظالم أي يد السجّان. ومن ذلك أن بشر الحافي كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها السلاطين. وأطفأ بعضهم سراجا أشعله غلامه من بيت ظالم. وشرب بعضهم دواء فأشارت إليه امرأته بالمشي والتردد، فقال: هذه مشية لا أعرف لها وجها، وأنا أحاسب نفسي على جميع حركاتي. وهذه رتبة أقوام وفوا بقوله تعالى: {قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91] ، فعدّوا كل ما لم يكن لله تعالى حراما. وليس هذا من عشّك (1) وعش ناصحك، فادرج واجتهد أن تفيء بورع العدول الذي تفتي به الفقهاء.
نعم ينبغي أن تضيف إليه شيئين: أحدهما أن تحذر عن مواقع غرورهم، ولا تلتفت إلى قولهم: «من وهب في آخر السنة ماله زوجته، واستوهب منها مالها، سقطت الزكاة عنهما» . فإنهم إن عنوا به أن السلطان لا يطالبهم بالزكاة، لأن مطمح نظره ظاهر الملك فهو صدق؛ ودرجة الفقهاء وفتواهم ذكر ما يتعلق بالظواهر فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة 2؛ إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة لينتظم أمر المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق.
وأما أنت، إذا كنت تنظر فيما ينفعك غدا عند جبّار الجبابرة، وسلطان السلاطين، فلا تلتفت إلى هذا، واعلم أن مقصود الزكاة إزالة رذيلة البخل فإنه مهلك كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» . وهبة مال الزكاة لأجل درء الزّكاة، تجعل الشحّ مطاعا، فإنه يصير مطاعا بإجابته إلى ما يقتضيه.
و قبل هذا لم يكن مطاعا، فكيف يكون ذلك منجيا؟ وكذلك من يسيء معاشرة زوجته حتى تنفكّ له من المهر، فلا يحل له المهر بينه
(1) العش: المطلب.
(2) العبارة التي أولها «فإنهم ان عنوا الخ .. صورة الصلاة» وردت هكذا في النسخة التي بين أيدينا، وهي عبارة - كما ترى - مهزوزة.