و لا تكون كارها للموت، ولا محبا للضيعة. ولتكن الضيعة - وهي مدخل طعامك - كالخلاء الذي هو موضع فراغك، فإنما تريده للضرورة، وبودك لو تخلصت منه لتخرج عن النهي في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا» ؛ فإنك إذا قصدت الفراغة للاستعانة بها على الدين، كنت متزودا مسافرا لا معرجا على الضيعة.
و ربما لا يحتمل بعض الأشخاص القناعة بالقدر الذي ذكرته إلا بشدة ومشقة. ولا حرج في الدين في ازدياد الضعف على هذا القدر؛ إذ لا يصير من أبناء الدنيا ولا يخرج من حزب أبناء الآخرة والمسافرين إلى الله تعالى ما دام يقصد بذلك دفع الألم الشاغل عن الذكر والعبادة دون التلذذ والتنعم في الدنيا. ثم ما فضل من الطعام صرفه إلى البائس والأرامل، ولا يبقى بعد هذه الرخصة داعية إلى الزيادة إلا للتنعم أو للتصدق أو للاستظهار، لو أصاب المال آفة. أمّا التنعّم فإعراض عن الله تعالى، واشتغال بالدنيا، وأما التصدق، فترك المال أفضل منه؛ قال عيسى عليه السلام: «يا طالب الدنيا لتبرّ فتركك لها أبرّ وأبرّ» . وأما الاستظهار، لخوف آفة، فذلك لا مرد له، وهو سوء الظن لا آخر له، بل ينبغي أن تدفع ذلك بحسن الظن بتدبير الله عز وجل، وهو أن تتصور أن تصيب المال آفة من حيث لا يتوقع فيتصور أن ينفتح للرزق أيضا باب لا يحتسب، ومَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2،3] . وإن فرض على الندور خلافه، فلا ينبغي أن يعتقد العبد أن سلامته - طول عمره - عن البلاء محتوم، بل البلاء هو الذي يصقل القلب ويزكيه، ويخلصه من الخبائث كلها؛ ولهذا كان موكلا بالأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل. فاتكل على فضل الله، واعلم أنك لا يصيبك إلا ما فيه خيرك وخيرتك (1) ، فإن الله مدبّر الملك والملكوت أعلم بمصالحك.
[فصل في ان الذي ذكرت تقريب يمكن الزيادة عليه والنقصان منه]
هذا الذي ذكرته تقريب يمكن الزيادة عليه والنقصان منه بالاجتهاد في بعض الأشخاص وفي بعض الأحوال. ولكن اعتقد قطعا أن المال كالدواء النافع منه قدر مخصوص، والإفراط فيه قاتل، والقرب من الإفراط ممرض إن لم يقتل. فعليك بالتقليل
(1) الخيرة (بكسر الخاء وتسكين الياء أو فتحها) : الأفضل.