فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 189

وقال عيسى عليه السلام: «لا يستقيم حب الدنيا والآخرة في قلب مؤمن، كما لا يستقيم الماء والنار في إناء واحد» .

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت» .

وقال عيسى عليه السلام: «يا معشر الحواريين ارضوا بدنيّ الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدّنيا بدنيّ الدين مع سلامة الدنيا» . وقال عيسى عليه السلام للحواريين: «لأكل خبز الشعير بالملح الجريش (1) ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة» .

و روي أن عيسى - عليه السلام - كوشف بالدنيا فرآها في صورة عجوز شوهاء عليها من كل زينة، فقال لها: كم نكحت؟ فقالت: إني لا أحصيهم، فقال يطلقونك أو ماتوا عنك؟ فقالت: بل قتلت كلهم. فقال عيسى - عليه السلام: عجبا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين.

اعلم أن من ظن أنه يلابس الدنيا ببدنه ويخلو عنها بقلبه فهو مغرور. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء ألا يبتلّ قدماه؟» . وكتب عليّ - رضوان الله عليه - إلى سلمان الفارسي - رضي الله عنه: «مثل الدنيا مثل الحية، يلين مسها ويقتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها، لما أيقنت من فراقها، وكن أسرّ ما تكون بها أحذر ما تكون منها، فإن صاحبها كلما اطمأنّ منها إلى سرور أشخصه (2) عنه مكروه» .

وقال عيسى - عليه السلام: «مثل الدنيا مثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شربا ازداد عطشا حتى يقتله» واعلم أن من اطمأن إلى الدنيا وهو يتيقن أنه راحل عنها هو في غاية الحماقة، بل مثل الدنيا مثل دار هيأها صاحبها، وزينها لضيافة الواردين والصادرين، فدخل واحد داره فقدم إليه طبقا من ذهب عليه بخور وريحان ليشمها ويتركه لمن يلحقه لا ليتملكه، فجهل رسمه فظن أنه وهب ذلك له، فلما تعلق به قلبه استرجع منه، فضجر

(1) الجريش: ما طحن خشنا.

(2) أشخصه: أزعجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت