ولذلك لم يستبح أحد من السلف لنفسه أن يقرأ إلا بحرف بلغه بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم وكل من قرأ منهم أو أقرأ بشيء من الأحرف فإنه ينص على إسناده به (1) ، ولم يقرأ أحد باستحسان أو قياس، إلا ما رُوي عن ابن مقسم وكان حدثًا أحدثه عفا الله عنه، ثم رجع عنه وأعلن توبته كما سبق بيانه، فلا يُعد رأيه هذا خرقًا للإجماع.
ثم إن الأحرف القرآنية تنحصر روايتها ويقتصر تلقيها على نوع واحد من أنواع التلقي والرواية وهو المشافهة، فلا بد أن يسمع الرواي من شيخه الأحرف، وقال بعضهم: لا بد أن يعرضها عليه، أي يقرأ بها القرآن والشيخ يسمع منه، إذ ليس كل سامع بالضرورة قادرًا على القراءة بما يسمع، والذي أوجب هذه الطريقة من طرق التلقي والرواية دون غيرها، أن القراءة أمر يتعلق بكيفيات النطق، وهذه لا تُعلم إلا بالتطبيق العملي والسماع، فلا يمكن تلقيها من الكتب (2) .
(1) ولذلك تجد الكتب المعتبرة في فن القراءات مصدرة بذكر الأسانيد والطرق التي بواسطتها تلقي مصنف الكتاب ما ضمنه من أحرف قرآنية، وقد ينصون في بعض المواضع بخصوصها على أسانيدها الخاصة إذا كان فيها خلاف يقتضي ذلك، أما الأحرف المشهورة فلا يلزم فيها ذكر الإسناد عند كل موضع، لأنه يتلقى أحرف القرآن جملة واحدة يعرض القرآن بها على الشيخ أو سماعه إياه منه، ويأتي مزيد بيان لذلك.
(2) وقد حرص علماء الإسلام، وأهل القراءة منهم خاصةً على العناية بشرط الإسناد، والتثبت منه عند الإقراء فلم يكن أحد يستطيع التصدر للإقراء ما لم يكن مجازًا من لدن مقريء متصل السند معروف بالإتقان والعلم، وقد كان نظام الإجازة في علم =