ثم إن نقل الأحرف القرآنية لا يكفي فيه رواية الواحد ولا الاثنين، بل لابدّ أن ينقلها جمهور القراء في كل جيل حتى يحصل اليقين بنقلهم، وهذا لا يتحقق إلا بنقل عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، وهذا هو معنى التواتر المعروف لدى علماء الرواية، فلو انفرد آحاد بنقل قراءة لم يُعتدَّ بنقله وإن كان لا يكذب، وإن كان ثقةً عدلًا إمامًا حجةً، لكن انفرداه وشذوذه يمنع من قبول نقله حتى ولو كانت قراءته موافقة للغة العرب ولرسم المصحف، وهذا اصطلاح ليس محدثًا، بل اتفق عليه علماء الأمة، ابتداءً من الصدر الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهاء بالمحققين المتقنين في يومنا هذا، وسوف نحقق معنى التواتر وحقيقته عند الكلام على تواتر القراءات العشر إن شاء الله تعالى.
الثاني: (موافقة رسم المصاحف العثمانية ولو احتمالًا) :
وهذا شرط آخر أجمع عليه الصدر الأول بعد كتابة مصاحف عثمان، فاطَّرح كل واحد من الصحابة ما كان قد كتبه من صحف القرآن، وسلمها للخليفة الراشد عثمان، فحرقها وشققها وغسلها بالماء، وائتلفت الأمة على القراءة والإقراء بما دُوِّن وكُتب في تلك
= القراءة علمًا وشعارًا للإسناد، وصلة تربط أهل القرآن بمعلمهم الأول رسو الله صلى الله عليه وسلم وضابطًا دقيقًا يميز بين المتقنين الحافظين وبين غيرهم من أدعياء الفن والغرباء عليه، وإن إهمال هذا النظام بين أهل القراءة في زماننا هذا ـ إلا القليل النادر ـ لهو دليل على ضياع العلماء.