في ذلك أي عناء أو مشقة، لأن معظمهم كان ينتمي إلى قبيلة قريش، ومن جاورها بمكة، فهم أبناء لغة واحدة، ولهجة واحدة، لكن الأمر اختلف بعد الهجرة النبوية إلى المدينة، فقد دخل في الإسلام أبناء القبائل الأخرى، وفي مقدمتهم قبائل الأنصار، فبدأت بوادر المشقة تظهر على الألسنة التي اختلفت لهجاتها، وتغايرت لغاتها مع لغة القرآن ولهجته الموحدة، وزادت الصورة وضوحًا بعد إقبال الوفود من مختلف قبائل العرب من سائر أنحاء الجزيرة العربية، خاصة من أهل نجد، وهجر، والبحرين، واليمن، وحضرموت، والقبائل الشمالية المتاخمة للشام والعراق، فإنها أبعد الديار عن قريش وأبعد اللهجات عن لهجاتها.
فعندئذٍ التقى النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل عند أضاة بني غفار، أو عند أحجار المراء، ليتلقى البشرى بإنزال الأحرف السبعة.
وهذا الذي ذكرناه، يُعدّ أول فائدة من تعدد الأحرف القرآنية، بل هو المقصود الأول والحكمة الرئيسية، التي من أجلها شُرعت الرخصة.
2ـ وتعتبر هذه الرخصة من خصائص هذه الأمة، ومن المناقب التي تفضل الباري عزوجل بها عليها، إذ كانت الكتب السماوية السابقة تنزل على وجه واحد، فتلتزم الأمم التي أنزلت عليهم بقراءتها وتعلُّمها على ذلك الوجه، كما أن من أعظم الخصائص وأجل النعم أن يتكفل الله عزوجل بحفظ القرآن، وقد كان هذا الأمر متروكًا بالنسبة للكتب السابقة للأمم أنفسها، فضيَّعت كتبها وحرفت شرائعها.