وكانت قريش بجميع بطونها وقبائلها أشهر هذه القبائل في الفصاحة والبلاغة.
وذلك لأسباب عديدة، من أهمها: أنها كانت متوسطة الدار، بعيدة عن مجاورة الأمم الأعجمية، مع بعدها عن الصحراء؛ فسلمت لغتها بذلك من التأثر بالعجمة، ومن غلظة أهل الصحراء وجفاتهم، فقد كانت مكة حاضرة عربية أصيلة، متوسطة في مركزها، ولعلَّ ذلك لحكمة إلهية، حيث اصطفاها الله عز وجل دارًا لنبيِّه ومنشأً له، واصطفى لغةَ أهلها لغةً لقرآنه.
ومنها كذلك: أن قريشًا كانت مهوى أفئدة العرب، فتفِد مختلف القبائل إليها في كل عام في موسم الحج، معها زعماؤها، وفصحاؤها، وشعراؤها، فتختلط بهم قريش، وتسمع منهم، وتقتبس من كلامهم ما تستحسنه وتستعذبه، وتتجنب رديء كلامهم وسقيمه، فأُتيحت لها بذلك فرصة ثمينة من أهم الفرص التي تساعد على نمو اللغات وازدهارها.
وعلى وجه الإجمال كانت لغات بقية القبائل دون اللغة القرشية في المستوى الأدبي، مع أن الفصحاء وأربا البيان كانوا يعرفون بدقة العيوب اللغوية في لغات القبائل.
أخرج الرازي بسنده عن قتادة: أن معاوية ـ رضي الله عنه ـ قال يومًا: أي الناس أفصح؟ فقام رجل فقال: