تتميز الأوجه الصحيحة القرآنية عن غيرها، من تلك الأوجه التي احتملها الخط، إذ كان قصد كُتَّاب المصاحف العثمانية من كتابة بعض المواضع بشكل محتمل، ترك المجال مفتوحًا للأوجه الثابتة المنزلة لا للأوجه غير المنزلة، وهذا إنما يُعرف ويتم ضبطه بالرواية وحدها.
مع أن الأمر لو تُرك بغير ضبط بالرواية لحصل خلط واضطرب كبير حاشا كتاب الله أن يقع فيه، تعلم ذلك عندما يبلغك أن بعض الأئمة من القراء توهم أنه يجوز أن يقرأ بكل ما يحتمله خط المصاحف العثمانية من أوجه، مادام سائغًا في اللغة العربية وإن لم يثبت بالرواية (1) ، لولا أن القراء في عصره، وقد كانت كلمتهم اجتمعت وائتلفت على وجوب تقييد القراءة والإقراء بما رُوي متواترًا، فأنكروا على صاحبنا هذا وأقاموا عليه الحجة وقسروه على الانقياد للإجماع، هذا واحد من الأئمة وقع في هذه الشبهة فليت شعري كيف كان يصبح حال العوام لو لم يجمع القراء على هذه الضوابط الثلاث.
(1) وهو الحافظ محمد بن الحسن المشهور بابن مقسم البغدادي من أهل القرن الرابع الهجري قال عنه الذهبي: كان من أحفظ أهل زمانه لنحو الكوفيين وأعرفهم بالقراءات مشهورها وغريبها وشاذها، ولما انفرد بهذه الشبهة وجهر بهذا الرأي أحضره السلطان واستتابه بحضرة القراء والفقهاء فأذعن بالتوبة وكُتب محضر بتوبته (غاية النهاية للجزري 2/ 123) .