(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) هذا نفي مؤكد للغفران والهداية معا، فالله لَا يغفر لهم، ولا يهديهم سبيلا مستقيما، بل هم في حيرة مستمرة، واللام في قوله: (لِيَغْفِرَ) ، و (لِيَهْدِيَهمْ) هي اللام التي يسميها النحويون لام الجحود أي النفي المؤكد، وهي تكون بعد الفعل المشتق من الكون،، ككان ويكون، ولتقريب معناها نضرب مثلا من عبارات الناس، فيقول بعض الناس: لم أكن لأكرمك أي لم أوجد لأكرمك، أي ليس من شأني وحالي المستمرة استمرار وجودي أن أكرمك، ويكون معنى النص السامي على هذا ذكر ما يؤدي إليه الكفر.
وبعد أن بين سبحانه حقيقة الإيمان لم يكن من حكمته وعلمه وكمال تدبيره أن يغفر لهؤلاء، ولا أن يهديهم السبيل، والسبب في ذلك أنه لَا تتصور منهم التوبة والرجوع إلى الحق، والإنابة إلى الله، حتى تكون منهم التوبة النصوح التي تجبُّ ما قبلها من الذنوب، إذ أن التوبة تكون لمن يقع في الذنب عن جهالة، ثم يتوب قبل أن يوغل في الشر ويفقد معه كل عناصر، وكذلك لَا يهديهم سبيلا؛ لأن الهداية تكون لمن لم يظلم قلبه، ولمن أراد الهداية، وهؤلاء لَا يريدونها.
فنفي الغفران، ونفي الهداية، بسبب أنهم أركسوا في الشر، وأحاطت بهم خطيئاتهم، ولقد قال في ذلك الزمخشري - رضي الله عنه:"والمعنى أن الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر، والإصرار عليه يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت، يرضاه الله؛ لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم قلوب ضربت بالكفر، ومرنت على الردَّة، حيث كان الإيمان أهون شيء عندهم، وأدونه حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى".
اللهم هبنا إيمانا ثابتا وقلوبا مخلصة نقية من أخلاط الريب، إنك سميع الدعاء.
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(138)