دخل في باب الإعلام والتوفيق، وإن كان يدخل من وجه آخر في باب التأييد.
ومنها تغيير العبادة في مخاطبته، فقد روى أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلّم -: «كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي، فيقضي عني وقد وعيت ما قال.
وأحيانا تمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما قال»
وإنما كان الأول أشد الوحي عليه، لأن الملك إذا مثل له رجلاً فلقيه في صورة حسنة لم يداخله به ربه روع ولا أمر بينه وبين القبول عنه، وكلمة مع ذلك بلسانه الذي يعرفه كلاماً عهد مثله، فلم يبعد مراده من فهمه.
وأما إذا لم ير ملكاً وسمع صوتاً مثل صلصلة الجرس واضطرا إلى علم أنه وحي، فأول ما في ذلك ان مثل هذا الصوت إذا قرع القلب، ثم إذا أقيم مقام الكلام ولم يكن في نفسه معهوداً نبأ القلب عنه أول مايرد عليه، ثم إذا وقع العلم بأنه خطاب يحتاج إلى تلقيه وحفظه زاد ذلك في شغل القلب به.
ثم أن المخاطب بمثل هذا الصوت لا يخلو من أن يحول في ذلك الوقت عن طباعه، حتى أنه ربما أثر ذلك في أحواله الظاهرة منه، ليصير كالصحيح إذا مرض، أو الماشي إذا جهد ونصب أو الصائم أذا جاع أو عطش.
وكان ما يعرض للنبي - صلى الله عليه وسلّم - عند نزول الوحي عليه من البرجاء والومضاء من العرق منه في اليوم الثاني، ونقله على الراحة حتى يكاد بطنها يلتصق بالأرض وينكسر عضداها، من هذا الوجه وقد روي في قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} .
إن الله - عز وجل - إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماوات مثل صوت الصلصلة على الصفوان، ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم، قالوا الحق، وهو العلي الكبير.
فإذا كان الوحي الذي يوحى إلى الملائكة صوتاً مثل صوت السلسلة على الصفوان.
فالنبي - صلى الله عليه وسلّم - إذا أوحي إليه بصوت مثل صوت الجرس، كان هذا الوحي شبيهاً بالوحي الذي يوحي إلى الملائكة قبسه، والله أعلم أنه في تلك الحال كان يلزم باديانه من طباع الملائكة وتمثيله في بعض الوجوه لهم، كما كان الملك في بعض الأحوال يمثل رجلا لتعليمه ومخاطبته فيلقى الوحي الذي بمثله إلى الملائكة، ويشتد ذلك عليه، إلا أن الله - عز وجل - يعصمه خلال ذلك من الإغفال والنسيان فكانت تلك الحالة تنقضي عنه.
وقد وعى ما قيل له والله أعلم.