فهرس الكتاب
قال ابن القيم: فَإِنّ سَارَةَ امْرَأَةَ الْخَلِيلِ -صلى الله عليه وسلم- غَارَتْ مِنْ هَاجَرَ وَابْنِهَا أَشَدّ الْغَير فَإِنّمَا كَانَتْ جَارِيةً فَلَمّا وَلَدَتْ إسْمَاعِيلَ وَأَحَبّهُ أبُوهُ اشْتَدّتْ غَيْرَةُ"سَارَةَ"فَأَمَرَ الله سُبْحَانَهُ أَنْ يُبْعِدَ عَنْهَا"هَاجَرَ"وَابْنَهَا ويسْكِنها فِي أَرْضِ مَكّةَ لِتَبْرُدَ عَنْ"سَارَةَ"حَرَارَةُ الْغَير وَهَذَا مِنْ رَحْمَتِهِ تَعَالَى وَرَأْفَتِهِ فَكَيْفَ يَأْمُرُهُ سُبْحَانَهُ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَذْبَحَ ابْنَهَا وَيَدَعَ ابْنَ الجارِية بِحَالِهِ هَذَا مَعَ رَحْمَةِ الله لَهَا وَإِبْعَادِ الضّرَر عَنْهَا وَجَبْرِه لَهَا، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بَعْدَ هَذَا بِذَبْحِ ابْنِهَا دُونَ ابْنِ الجْارِية؟! بَلْ حِكْمَتُهُ الْبَالِغَةُ اقْتَضَتْ أَنْ يَأْمُرَ بِذَبْحِ وَلَدِ السّرّيّةِ فَحِينَئِذٍ يَرِقّ قَلْبُ السّيّدَةِ عليهَا وَعَلَى وَلَدِهَا وَتَتبَدّلُ قَسْوَةُ الْغَير رَحْمَةً وَيَظْهَرُ لَهَا بَرَكَةُ هَذِهِ الجارِيةِ وَوَلَدِهَا وَأَنّ الله لَا يُضِيعُ بَيْتًا هَذِهِ وَابْنها مِنْهُمْ وَليُرِيَ عِبَادَهُ جَبْرَهُ بَعْدَ الْكَسْرِ، وَلُطْفَهُ بَعْدَ الشّدّةِ، وَأَنّ عَاقِبَةَ صَبْرِ"هَاجَرَ"وَابْنِهَا عَلَى الْبُعْدِ
وَالْوَحْدَةِ وَالْغُرْبَةِ وَالتّسْلِيمِ إلَى ذَبْحِ الْوَلَدِ آلَتْ إلَى مَا آلَتْ إليهِ مِنْ جَعْلِ آثَارِهِمَا وَمَوَاطِئِ أَقْدَامِهِمَا مَنَاسِكَ لِعِبَاده المؤْمِنِينَ وَمُتَعَبّدَاتٍ لَهُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذ سُنتهُ تَعَالَى فِيمَنْ يُرِيدُ رَفْعَهُ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَمُنّ عليهِ بَعْدَ اسْتِضْعَافِهِ وَذُلّهِ وَانْكِسَارِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 5] وَذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.
9 -الاستدلال بشعائر الحج: