فهرس الكتاب
ودل قوله: (وَأُمْلِي لَهُمْ) وعلى أنه لم ينشئهم لحاجة له إليهم، أو لمنفعة له فيهم، ولكن أنشأهم لحوائج أنفسهم، ولمنافع ترجع إليهم، حتى إن عملوا نفعوا أنفسهم، وإن تركوا ضروا أنفسهم.
-وقوله: (مَتِينٌ) .
قيل: شديد، أي: عقوبتي شديدة، والمتين: هو المحكم القوي.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ ...(184)
إن الكفرة كانوا ينسبون رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ إلى الجنون أحيانًا، والذي حملهم على ذلك - واللَّه أعلم - أنهم كانوا أهل العز والشرف في الدنيا، وكان لا يخالفهم أحد، ولا يستقبلهم بالمكروه إلا أحد رجلين: رجل ذو قوة وهيبة، وله أعوان
وأنصار، أو رجل به جنون؛ لأنهم كانوا يقتلون من يخالفهم في شيء من الأمر، فلما رأوا رسول اللَّه خالفهم واستقبلهم بما يكرهون، ولم يروا ماله أنصارًا ولا أعوانًا ظنوا أنه لا يخالفهم إلا بجنون فيه، فنسبوه إلى الجنون لذلك، واللَّه أعلم.
ويحتمل أن تكون نسبتهم إياه إلى الجنون لما حرم عايهم عبادة الأصنام والأوثان التي كانوا يعبدونها، وهم قد رأوا العقلاء منهم قد عبدوا الأصنام ولم يحرموا ذلك، فلما حرم ذلك عليهم ظنوا أنه إنما حرم ذلك لآفة، لذلك حملهم بالنسبة إلى الجنون، واللَّه أعلم.
ثم عاتبهم بتركهم التفكر فيه بقوله: (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ) ؛ ليتبين لهم أنه ليس به جنون، وذلك يحتمل وجهين: