فهرس الكتاب
وكذلك قد يتسامى الارتقاء في الإنسان ، فيجعل الشيء الذي يُفعل له دون أن يطلب منه أي: الشيء المسخَّر له يجعله ينفعل له ، كما نرى فيما توصَّل إليه العلم من استخدام الطاقة الشمسية مثلاً في تسخين المياه . . هذه الطاقة مُسخَّرة لنا دون جَهْد مِنّا ، ولكن ترقِّي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء . . وكُلُّ هذه نِعَم من الله ؛ ولذلك قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ ...} .
أمدَّنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلاً . . نِعَم تترى لا تُعَد ولا تُحْصَى ، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتَها يتعوّدها الإنسان ، ثم يذهل عن المنعم سبحانه .
ونستطيع أن نضرب لذلك مثلاً بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلاً كل أول شهر ، تجده لا يحرص على أنْ يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر ، إنما إذا عوَّدته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك ، ويُظهِر لك نفسه ليُذكِّرك بالمعلوم .
إذن: رتابة النعمة قد تُذهِلك عن المُنعِم ، فلا تتذكره إلا حين الحاجة إليه ؛ لذا يُنبِّهنا الحق تبارك وتعالى: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها . . إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم ؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري ، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يا ربّ يا ربّ .
فأنت ستكون شاهداً على نفسك ، لن تكذب عليها ، فَلِمَنْ تتوجّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجّه إلا إلى الله تقول: يا رب .
{ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] .
فترة الضُّر التي تمرُّ بالإنسان هي التي تلفته إلى الله ، والحاجة هي التي تُلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد ، فإذا كانت النعمة قد تُذهِله وتُنسِيه ، فالضر يُذكِّره بربّه الذي يملك وحده كَشْف الضر عنه .