لها مُقْلَةٌ حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ ... إلى حاجبٍ غُلّ فيه الشُّفُرْ
أي عورٌ وأدخل فيه الشُّفُر، ومنه قولهم: غَلَّ في الغنيمة إذا خان؛ لأن ما خان شيئًا أو سرقه أدخله في كُمِّه، ومعنى غُلَّتْ يدُ فلان: أي أدخلت في الحديد، ولعل هذا مما سبق ذكره.
قال ابن عباس والمفسرون في قوله: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} : يريد البخل ومنع حق الله في الزكاة والصلة.
والمعنى: لا تمسك يدك عن البذل كل الإمساك، حتى كأنها مقبوضة إلى عنقك بالغل لا تُبْسَط لخير.
قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَّمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؛ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه: 121] ؛ لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون: غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال - عز وجل -: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ} ، أي: لا تكن ممسكًا عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} ؛ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} [إبراهيم: 40] وقد مر، وقوله تعالى: {إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] ، وسنذكره في موضعه إن شاء الله.
وقوله تعالى: {وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} قال ابن عباس: يريد في النفقة والعطية.
وقال مجاهد وقتادة: يعني التبذير والإنفاق في معصية الله تعالى،