ثُمَّ أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي قَلْبِ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنَ السَّكِينَةِ مَا هُوَ مُقَابِلٌ لِمَا فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ مِنْ حَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَانَتِ السَّكِينَةُ حَظَّ رَسُولِهِ وَحِزْبِهِ، وَحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ حَظَّ الْمُشْرِكِينَ وَجُنْدِهِمْ، ثُمَّ أَلْزَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَهِيَ جِنْسٌ يَعُمُّ كُلَّ كَلِمَةٍ يُتَّقَى اللَّهُ بِهَا، وَأَعْلَى نَوْعِهَا كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَقَدْ فُسِّرَتْ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَهِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَبَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَلْتَزِمَهَا، فَأَلْزَمَهَا اللَّهُ أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ، وَإِنَّمَا حَرَمَهَا أَعْدَاءَهُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ غَيْرِ كُفْئِهَا، وَأَلْزَمَهَا مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا وَأَهْلُهَا، فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعَهَا وَلَمْ يُضَيِّعْهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا، وَهُوَ الْعَلِيمُ بِمَحَالِّ تَخْصِيصِهِ وَمَوَاضِعِهِ.
[فصل: الفرق بين الحمية والجفاء]
وكذا الفرق بين الحمية والجفاء فالحمية فطام النفس عن رضاع اللوم من ثدي هو مصب الخبائث والرذائل والدنايا ولو غزر لبنه وتهالك الناس عليه فإن لهم فطاما تنقطع معه الأكباد حسرات فلا بد من الفطام فإن شئت عجل وأنت محمود مشكور.
وإن شئت أخر وأنت غير مأجور.
بخلاف الجفاء فإن غلظة في النفس وقساوة في القلب وكثافة في الطبع يتولد عنها خلق يسمى الجفاء.
(فصل)
وكلمة التقوى هي الكلمة التي يتقى الله بها وأعلى أنواع هذه الكلمة هي قول (لا إله إلا الله)
ثم كل كلمة يتقى الله بها بعدها فهي من كلمة التقوى.
وقد أخبر سبحانه أنه ألزمها عبادة المؤمنين فجعلها لازمة لهم لا ينفكون عنها، فبإلزامه التزموها، ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها، والتزامها فعل اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم فهو الملزم وهم الملتزمون.
قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}
(قَاعِدَة)