وفي «الأسئلة المقحمة» : فإن قيل فإذا كان هذا خطأ في الاجتهاد ومن اجتهد فأخطأ لا يؤخذ به فكيف آخذ آدم بذلك؟
قلنا لم يكن هذا موضع الاجتهاد إذا كان الوحي يتواتر عليه نزوله فكان تفريطه لو اجتهد في غير الاجتهاد.
فإن قيل فهل أوحي إليه ليعلم ذلك؟
قلنا: انقطع عنه الوحي ليقضي الله تعالى ما أراده كما انقطع عن الرسول عليه السلام ثمانية عشر يوماً وقت إفك عائشة رضي الله عنها ليقضي الله تعالى ما أراده.
وفي «الكبير» فإن قيل دل هذا على الكبيرة لأن العاصي اسم ذم فلا يليق إلا بصاحب الكبيرة ولأن الغواية ترادف الضلالة وتضاد الرشد ومثله لا يتناول إلا المنهمك في الفسق.
وأجيب بأن المعصية خلاف الأمر والأمر قد يكون بالمندوب ويقال أمرته بشرب الدواء فعصاني فلم يبعد إطلاقه على آدم لا لأنه ترك الواجب بل لأنه ترك المندوب.
وفيه أيضاً ليس لأحد أن يقول كان آدم عاصياً غاوياً لوجوه:
الأول قال العتبي: يقال للرجل قطع ثوباً وخاطه قد قطعه وخاطه ولا يقال خائط وخياط إلا إذا عاود الفعل فكان معروفاً به والزلة لم تصدر من آدم إلا مرة فلا تطلق عليه.
والثاني: أن الزلة إن وقعت قبل النبوة لم يجز بعد أن شرف الله تعالى بالرسالة إطلاقها عليها وإن كانت بعد النبوة فكذلك بعد أن تاب كما لا يقال للمسلم التائب إنه كافر أو زان أو شارب خمر اعتباراً بما قبل إسلامه وتوبته.
والثالث: أن قولنا عاص وغاو يوهم عصيانه في الأكثر وغوايته عن معرفة الله والمراد في القصة ليس ذلك فلا يطلق دفعاً للوهم الفاسد.
والرابع: يجوز من الله ما لا يجوز من غيره كما يجوز للسيد في ولده وعبده عند المعصية قول ما لا يجوز لغيره. قال الحسن: والله ما عصى إلا بنسيان.
قال جعفر طالع الجنان ونعيمها فنودي عليه إلى يوم القيامة وعصى آدم ولو طالعها بقلبه لنودي عليه بالهجران إلى أبد الآباد.
سئل ابن عطاء عن قصة آدم أن الله تعالى نادى عليه بمعصية واحدة وستر على كثير من ذريته فقال: إن معصية آدم كانت على بساط القربة في جواره ومعصية ذريته في دار المحنة فزلته أكبر وأعظم من زلتهم.