وهي الصفة الرابعة عشر
الاستواء: (وهو تابع للترقيم السابق)
قال المصنف:
ومن ذلك قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} ، إلى أن قال: وذكر الخبر إلى قوله (( وفوق ذلك العرش والله سبحانه فوق ذلك ) )فهذا وما أشبههه مما أجمع السلف رحمهم الله على نقله وقبوله ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله ولا تشبيهه ولا تمثيله
سئل الإمام مالك بن أنس رحمه الله فقيل يا أبا عبد الله {الرحمن على العرش استوى} كيف استوى فقال الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ثم أمر بالرجل فأخرج.
الشرح
المسألة الأولى: معنى الاستواء:
الاستواء لغة: يطلق على العلو والاستقرار والقصد والارتفاع.
شرعًا: يطلق على علو اللَّه واستقراره على العرش، وأهل السنة والجماعة يثبتون استواء اللَّه على عرشه بهذا المعنى، علا واستقر وارتفع وبعضهم يضيف قعد وجلس.
المسألة الثانية: معنى العرش:
العرش يطلق على سرير الملك.
وأما شرعًا: فهو مخلوق عظيم خلقه اللَّه تعالى ثم استوى عليه وهو سقف العالم وله قوائم.
المسألة الثالثة: مذاهب الناس في الاستواء على العرش:
أما مذهب أهل السنة والجماعة فقد مضى، أما المعطلة فكلهم ما عدا الكلاّبية ومتقدمي الأشاعرة ينفون هذه الصفة، وهم الجهمية والمعتزلة ومتأخري الأشاعرة والماتريدية، فهم ينفون صفة الاستواء على العرش لله تعالى، ويقولون: استوى بمعنى استولى، ويفسرون العرش بالملك، أي استولى على الملك.
مذهب الكلاّبية ومتقدمي الأشاعرة كأبي الحسن الأشعري والباقلاني وبعض ممن تأثر بهم كالبيهقي، فهؤلاء يثبتون أن اللَّه استوى على العرش ولكن يفسرونه بتفسير دقيق قد يخفى على الناظر، فيظن أنهم موافقون لأهل السنة وتفسيرهم كالتالي:
يقولون: أن اللَّه استوى على العرش وهي صفة من صفات اللَّه، وهي من الصفات الفعلية لله ومعنى أنها صفات فعلية أي أن اللَّه فعل فعلًا على العرش سماه استواءً.
والناظر في هذا الكلام يقول: هذا مذهب السلف، لكنهم يقصدون أنه فِعْل أي مفعول أي أن هذا الفعل الذي فعله اللَّه على العرش مخلوق بائن عن ذاته، وهنا يتضح أنهم يؤولون هذه الصفة لأنهم لا يجعلونها من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة اللَّه، وإنما يجعلونها من باب المفعول، ومثل صفة الاستواء تمامًا وعلى منهج هؤلاء صفة النزول، فإنهم يقولون أن النزول صفة من صفات اللَّه الفعلية بمعنى أن اللَّه فَعَل فعلًا في السماء، أي خلق شيئًا في السماء وسماه نزولًا.
وهذا هو كلام البيهقي وابن فورك وهو مذهب الكلاّبية في صفات اللَّه الاختيارية، التي تتعلق بالمشيئة.
مسألة: هل يقال: إن اللَّه استوى على العرش بمماسه له أو بدون مماسه:
الجواب: مثل هذه العبارات يسكت عنها السلف فلا يتكلمون عنها نفيًا ولا إثباتًا لعدم ورود ذلك.
والقاعدة: أن صفات اللَّه توقيفية فلا يتحدث بنفي أو إثبات إلا بدليل وذهب بعض العلماء إلى النفي، فيقولون: إن اللَّه استوى على العرش بلا مماسه، وهذا قول ضعيف. وقد يفعله بعض السلف الصالح في باب الردود.
مسألة: هل إذا نزل اللَّه إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أو لا؟
هذه المسألة مثل التي قبلها، فيقال: إن اللَّه ينزل إلى السماء الدنيا ويقال إن اللَّه على عرشه ويسكت عن قضية خلو العرش، وذهب بعض أهل الحديث وهم قليل، ومنهم ابن منده، وقال: إن اللَّه إذا نزل إلى السماء الدنيا خلا منه العرش، وهذه من المآخذ على ابن منده، والقاعدة أن نقف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا.