قال المصنف:
والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه قال الله تعالى {وجوه يوئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} وقال تعالى {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}
فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) )متفق عليه.
وهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي فإن الله تعالى لا شبيه له ولا نظير.
الشرح
تكلم المصنف هنا عن الرؤية يوم القيامة وأفرد لها فصلًا مستقلًا، فقال:"والمؤمنون يرون ربهم في الآخرة بأبصارهم."
والرؤية فيها مسائل:
1 -أن المصنف تكلم عن الرؤية يوم القيامة، لكن قبل يوم القيامة هل هناك رؤية؟ وهل يُرى اللَّه في الدنيا؟
المسألة فيها مذهبان فيما أعلم:
الأول: مذهب الصوفية: وهؤلاء يرون أن اللَّه يُرى في الدنيا يقظة وأن الأولياء يرون اللَّه في الدنيا فيكلمهم ويكلمونه.
الثاني: مذهب السلف وهو أن اللَّه لا يُرى في الدنيا بإجماع السلف، واستدلوا بقوله تعالى: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} [1] .
لكن اختلف السلف في النَّبِيّ خاصة هل رأى ربه في الدنيا أم لم يره، والخلاف وقع بين الصحابة:
القول الأول: أنه لم يره ببصره ولا بعين رأسه.
واستدلوا لهذا - وهو قول الجمهور - بحديث عائشة: من قال إن الرسول رأى اللَّه فقد أعظم على اللَّه الفرية.
واستدلوا بحديث أبي ذر لما سأله: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنَّى أراه.
والقول الثاني: أنه رآه.
واستدلوا بقول اللَّه تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} [2] ، وقوله: {ثم دنى فتدلى. فكان قاب قوسين أو أدنى} [3] ، وحديث:"رأيت ربي بأحسن صورة" [4] .
والصحيح القول الأول.
ثم هل رآه رؤية قلب ومنام في الدنيا أم لا؟
والصحيح أنه رآه في المنام، وهو اختيار ابن تيمية، وهو مضمون قوله عليه السلام:"رأيت ربي في أحسن صورة"، وهذا المشهور بحديث اختصام الملأ الأعلى. وهذا الحديث ألف فيه ابن رجب رسالة.
2 -هل يرى في الآخرة يوم القيامة؟
هذه المسألة فيها مذاهب:
أ - مذهب أهل السنة والجماعة: وهو أن اللَّه يُرى في الآخرة في موضعين، في عرصات القيامة، يراه المؤمنون بأبصارهم، ذكر ذلك ابن تيمية في الواسطية، وقال: يرونه سبحانه في عرصات القيامة، ويُرى أيضًا في الجنة وهو الذي أشار إليه المصنف بقوله: ويزورهم ويزورونه ويكلمهم ويكلمونه، إلا أن المؤمنين يتفاوتون في الرؤية على حسب درجاتهم، فمنهم من يراه كل يوم ومنهم من يراه كل جمعه، ومنهم من يره فوق ذلك، والرؤية أعظم نعيم الجنة.
واختلف أهل السنة والجماعة بالنسبة لرؤية الكفار لربهم يوم القيامة، وقد ظهر الخلاف في هذه المسألة تقريبًا في القرن الثالث على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الكفار لا يرون اللَّه بحال من الأحوال سواء كان كافرًا أصليًا أم مرتدًا، أو كان ممن يظهر الإيمان ويُسر الكفر وهم المنافقون أو غيرهم، فلا يرى أحدٌ من هؤلاء اللَّه عز وجل يوم القيامة، وهذا هو الذي اختاره المصنف، ولذا قال: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففون 15]
فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق اهـ وعليه أكثر العلماء.
(1) سورة الأعراف: 143.
(2) النجم: 13.
(3) النجم: 8.
(4) رواه الترمذي في سننه 5/ 366 (ح3233) ، والدارمي 2/ 170 (ح2149) ، وأحمد 1/ 368 (ح3484) .