القول الثاني: أن الكافر الأصلي لا يراه أما المنافق وهو من يظهر الإيمان ويبطن الكفر، فإنه يراه في عرصات القيامة، ثم يحتجب اللَّه عنهم، واختار هذا ابن خزيمة في كتاب التوحيد.
القول الثالث: أن الكفار يرونه لكنها رؤية عذاب كاللص حينما يراه السلطان، واستدلوا على ذلك بأحاديث اللقاء والكلام؛ لأن اللَّه يكلم الكافر، وعندهم أن الكلام واللقاء يستلزم الرؤية. والله اعلم بالراجح في هذه المسالة، لكن الأول أقوى.
مسألة: مذاهب الناس في الرؤية:
أ ـ مذهب الأشاعرة: وهم يثبتون الرؤية ويقولون أن اللَّه يُرى يوم القيامة، لكن يقولون يُرى لا عن مواجهة لأنهم لا يثبتون العلو، وأيضًا يقولون لا عن معاينة، ويجعلون رؤيته رؤية علمية، بمعنى العلم واليقين والكشف، وهذا في الحقيقة نفي للرؤية، وإنما يتسترون بقولهم إن اللَّه يُرى، فإذا قيل كيف يُرى؟ هل يرونهم بأبصارهم؟ قالوا: لا، وإنما يرونه بقلوبهم.
ب ـ والماتريدية، وهم مثل مذهب الأشاعرة كما سبق.
جـ - مذهب المعتزلة والجهمية والخوارج والرافضة، وهؤلاء ينفون الرؤية ويقولون إن اللَّه لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة.
وذكر المصنف الأدلة التي تدل على الرؤية:
1 -قوله تعالى: {إلى ربها ناظرة} [1] .
2 -قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يؤمئذٍ لمحجوبون} [2] ، والدليل يكون بمفهوم المخالفة. فإذا كان الكفار يومئذ عن ربهم محجوبون، فيدل بمفهوم المخالفة أن المؤمنين ليسوا محجوبين بل يرونه.
3 -من السنة: حديث"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر".
وأشار المصنف في آخر البحث إلى مسألة متعلقة بحديث [3] :"إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر"، فقد يقول قائل: إن قوله"كما ترون القمر"أن الكاف للتشبيه، وأنه تشبيه اللَّه تعالى بالقمر، فرد المصنف على هذا الاستشكال، وقال: إن التشبيه هو تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئي بالمرئي، ويدل على ذلك أن اللَّه لا شبيه له ولا نظير له.
(1) القيامة: 23.
(2) المطففين: 15.
(3) أخرجه البخاري في صحيحه 1/ 209 (ح547) ، 1/ 277 (ح773) ، ومسلم في صحيحه 1/ 163 (ح182) .