فصل
قال المصنف: ومن السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم واعتقاد فضلهم ومعرفة سابقتهم قال الله تعالى {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا} وقال تعالى {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لاتسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)
الشرح:
ثم انتقل المصنف بعد ذلك إلى مسألة موالاة الصحابة وفيها مسائل:
الأولى: قوله: (ومن السنة) أراد بالسنة ما يضاد البدعة ولم يرد السنة الاصطلاحية التي هي بمعنى ما يثاب فاعله امتثالًا ولا يعاقب تاركه، وإنما أراد أنها هي طريقة أهل السنة والجماعة.
الثانية: قوله: (تولي أصحاب رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -) قوله تولي أراد موالاة الصحابة، فالتولي هنا قول وعمل واعتقاد، واجب للصحابة، ثم قسم المصنف هذا التولي إلى ثلاثة أقسام:
أ - موالاة اعتقادية.
ب - موالاة عملية.
جـ - موالاة قولية.
أما الموالاة الاعتقادية فهي قول المصنف: (واعتقاد فضهلم ومعرفة سابقتهم وهذا يسمى قول القلب وهو العلم والمعرفة) .
الموالاة العملية: أشار إليها بقوله (ومحبتهم) وما يتبع ذلك من احترامهم والثناء عليهم بالقلب، وقولنا عملية يشمل عمل القلب وهو المحبة والاحترام والتوقير لهم، ويشمل أيضًا عمل الجوارح، وهي نصرتهم ومتابعتهم والعمل بأعمالهم.
الموالاة القولية: وهي قول اللسان، وأشار إلى ذلك بقوله (وذكر محاسنهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، والكف عن ذلك مساوئهم وما شجر بينهم) وهذه أربعة أمور تكون باللسان، منها ثلاثة إيجابية أي مطلوب فعلها وهي الثلاث الأول، ومنها واحد سلبي، أي المقصود عدمه وهو الكف والحبس عن التكلم فيهم، والكف وحده لا يكفي فلابد من الثناء والترحم والاستغفار.
ثم ذكر المصنف دليلين لذلك: الأول: قوله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ... } [1] .
الثاني: قوله تعالى: {محمد رسول اللَّه والذين معه أشداء على الكفار} [2] ، هذا من القرآن.
ثم ذكر المصنف مسألة سب الصحابة، وسبب ذكر مسألة السب لأن السب يضاد التولي فمن سب الصحابة أو أحدًا منهم فهذا ينافي تولي الصحابة، أما حكم سب الصحابة فهو على النحو التالي:
1 -أن يسبهم كلهم أو أكثرهم فهذا كافر بالإجماع.
2 -أن يسب بعضهم أو الواحد منهم أو النفر القليل، فهذا على قولين:
الأول: أن سب الواحد والاثنين من الصحابة من غير المشهورين كالخلفاء والعشرة أنه لا يكفر واستدلوا بالحديث الذي ذكره المصنف:"لا تسبوا أصحابي ..." [3] وهذا نهي والنهي يقتضي التحريم ولم يذكر أنه كفر.
قالوا: وكذا خالد بن الوليد تكلم في عبد الرحمن بن عوف ولم يكفر بهذا السب.
الثاني: أن سب الواحد منهم يكفر بشرط أن يعرف أن الذي سبه صحابي ثم يعاند، فهذا يكفر ويدل عليه قوله عليه السلام:"إن اللَّه جعل لي أصحاب وجعل لي منهم وزراء وأصهار فمن سبهم فعليه لعنة اللَّه والملائكة والناس أجمعين"رواه الحاكم [4] .
الدليل الثاني: أن اللَّه ذكر أنه رضي عنهم قال تعالى لا يستوي منكم من أنفق)
فكل الصحابة مرضي عنهم وهم من أهل الجنة، وقال تعالى: {يوم لا يخزي اللَّه النَّبِيّ والذين آمنوا معه} ويقصد بهم الصحابة من باب أولى.
(1) الحشر: 11.
(2) الفتح: 29.
(3) أخرجه البخاري 5/ 695 (ح3861) ، ومسلم 4/ 1967 (ح2540) .
(4) مستدرك الحاكم 3/ 732 (ح6656) .