فصل
قال المصنف: ونرى الحج والجهاد ماضيا مع طاعة كل إمام برا كان أو فاجرا وصلاة الجمعة خلفهم جائزة.
قال أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم (( ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل والجهاد ماض منذ بعثني الله عز وجل حتى يقاتل آخر أمتي الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والإيمان بالأقدار ) )رواه أبوداود.
الشرح:
ثم تكلم المصنف عن مسائل الإمامة وما يتعلق بها.
وهي مسائل تتعلق بالموقف تجاه الأئمة والحكام وماذا يجب لهم.
قال المصنف (ونرى) ولم يقل (وأرى) وإنما عبر بقوله (نرى) وفاعل (نرى) جماعة والسبب لأن المصنف يتكلم عن مذهب أهل السنة والجماعة، مثل ما قال قبله (ونشهد) وقال (ولا نجزم) مما يدل على أنه ينقل اعتقاد أهل السنة والجماعة في مسألة الواجب للأئمة.
وذكر المصنف ثلاث شعائر: الحج، والجهاد، والجمعة. على أن هذه الشعائر الثلاث تفعل مع الأئمة ولا يخالفون فيها ويتعاون معهم عليها، وقبل أن ندخل في تفاصيل هذه المسالة ينبغي أن نعرف من هم الأئمة المقصودون هنا؟.
الجواب: الأئمة ينقسمون ثلاثة أقسام:
1 -أئمة العدل: فهؤلاء يجب إقامة الحج والجهاد والجمعة معهم، وغيرها من الشعائر الأخرى.
2 -الأئمة الفساق: وهم على قسمين:
أ - أئمة فساق فسق متعدي: وهم ما يسمون أئمة الجور والظلم، فيظلمون الناس في أموالهم وأعراضهم ويجورون في الأحكام لكنهم مسلمون، لم يخرجوا بهذا الظلم والجور عن الإسلام.
ب - أئمة فسق غير متعدي: مثل الأئمة الذين يشربون الخمر ويزنون ويأكلون الربا، وهؤلاء أحسن حال أئمة الجور وكلا الصنفين يقام معهم الحج والجهاد والجمعة.
3 -الأئمة الكفار والعلمانيين والأئمة المرتدين: فهؤلاء ليس لهم شيء من هذه الحقوق، أما صلاة الجمعة فلا تجوز الصلاة خلفهم، وإذا أجبروا الناس بالصلاة خلفهم، صلوا وأعادوا صلاتهم، وكذا لا يصل خلفهم العيد ولا بقية الصلوات، كالكسوف وغيرها ومثله صلاة الفريضة، فلا يصل خلفهم، وأما الجهاد، فالواجب أن يجاهدوهم، ويجب على أهل الحل والعقد وعلماء المسلمين أن يجاهدوهم ويقاتلوهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، فإن لم يستطيعوا وجب تكفيرهم واعتقاد كفرهم وعدم إمامتهم وعدم الذب عنهم ويصبر حتى يأتي اللَّه بالفرج، (للتفريق بين الأسماء والأحكام) ولكن لو قام الجهاد (جهاد الدفاع، أي دفع الصائل) ورفعوا رايته، كما لو صالت دولة على دولة شعبها مسلم وحاكمها كافر ثم أعلن هذا الحاكم الكافر الجهاد ضد الصائل، فهنا لا مانع من الجهاد معه ضد الصائل، كما قال عليه السلام:"إن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" [1] . فهناك يقاتل مع المسلمين ولو كان الحاكم كافرا ما دام ان المصلحة للمسلمين للدفع عنهم،
وقد تحالف الرسول أول ما جاء للمدينة مع اليهود على أن يشتركوا بالدفاع عن المدينة، مع أن اليهود كفار، ومثله حلف الفضول فقد اشترك الرسول قبل البعثة مع الكفار في نصرة المظلوم ويأتي بسط أكثر لهذه المسالة بعد أسطر إن شاء الله.
وأما الحج، فلو أقام الحاكم الكافر الحج فإنه يُحج معه.
وقول المصنف (ونرى الحج) ثم قال (ماضيًا) بمعنى أنه لا يُترك الحج من أجل كفر الحاكم، أو يُهجر الحج أو تهجر مكة لأن الإمام كافر، والسبب أن الحج فرض واجب، فلا يجوز تركه من أجل كفر الحاكم هذا الأول.
الدليل الثاني: حج أبي بكر، لما حج قبل السنة العاشرة مع الناس وفيهم كفار، الدليل الثالث: وكان الصحابة يحجون قبل الفتح إلى مكة ويعتمرون مع أن الحكم في مكة للكفار، فلم يمنع عمل هذه الشعيرة وإن كان هناك كفار.
(1) رواه البخاري في صحيحه 3/ 1114 (ح2897) ، ومسلم 1/ 105 (ح111) .