قال المصنف: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا نعلم أنه حق وصدق وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه مثل حديث الإسراء والمعراج وكان يقظة لا مناما فإن قريشا أنكرته وأكبرته ولم تنكر المنامات.
ومن ذلك أن ملك الموت لما جاء إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه لطمه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فرد عليه عينه)
ومن ذلك أشراط الساعة مثل خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام فيقتله وخروج يأجوج ومأجوج وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها وأشباه ذلك مما صح به النقل.
وعذاب القبر ونعيمه حق وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه وأمر به في كل صلاة.
وفتنة القبر حق وسؤال منكر ونكير حق والبعث بعد الموت حق وذلك حين ينفخ إسرافيل عليه السلام في الصور {فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون} ويحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا بهما فيقفون في موقف القيامة حتى يشفع فيهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ويحاسبهم الله تبارك وتعالى وتنصب الموازين وتنشر الدواوين وتتطاير صحف الأعمال إلى الأيمان والشمائل {فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا} والميزان له كفتان ولسان توزن به الأعمال {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون} ولنبينا محمد صلى الله عليه وسلم حوض في القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأباريقه عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا والصراط حق يجوزه الأبرار ويزل عنه الفجار.
ويشفع نبينا صلى الله عليه وسلم فيمن دخل النار من أمته من أهل الكبائر فيخرجون بشفاعته بعدما احترقوا وصاروا فحما وحمما فيدخلون الجنة بشفاعته ولسائر الأنبياء والمؤمنين والملائكة شفاعات قال تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} ولا تنفع الكافر شفاعة الشافعين.
والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان فالجنة مأوى أوليائه والنار عقاب لأعدائه وأهل الجنة فيها مخلدون {إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون} .
ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح فيذبح بين الجنة والنار ثم يقال (( يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت ) )
الشرح
أما لماذا الحق المصنف هذا الفصل بفصل المغيبات؟ لأنه مطلوب فيها الايمان، ونص المصنف على ذلك حينما قال: ويجب الإيمان بكل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر المصنف حكم الإيمان بالمغيبات وأنه واجب، وهو أصل من أصول أهل السنة والجماعة.
ثم ذكر المصنف قدر الواجب باعتبار الكمية، فقال (كل ما أخبر به) فلابد من الإيمان بجميع المغيبات كلها، لكن على وجه الإجمال، فلو ترك واحدًا منها فقد خرج من الدين.
واشترط المصنف شرطين في هذا الأصل:
الأول: أن تأتي هذه الإخبارات بالمغيبات من جهة الشرع، ولذا قال بكل ما أخبر به النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -، ويقصد ما أخبر به النَّبِيّ سواء ما جاء من جهة القرآن - وهذا نوع - أو من جهة السنة - وهذا نوع - أو ما أخبر به الصحابة، مما لا مجال للرأي فيه، أما المغيبات التي تأتي من جهة العقل والطب الحديث، هذا لا يقصده المصنف ولا يتعلق به حكم، وهناك أشياء مغيبات يثبتها الطب الحديث مثلًا، فهذا لا يلزم أن يؤمن بها الناس وليست من الأصول مثل كريات الدم الحمراء والبيضاء والذرة.
الثاني: أن يصح بذلك الخبر فيأتي بالقرآن - فهذا صحيح - وإن أتى عن طريق السنة فيشترط أن يكون الحديث صحيحًا.