فصل
قال المصنف:
(قال الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل - رضي اللَّه عنه - في قول النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه ينزل إلى سماء الدنيا" [1] ،أو"إن اللَّه يرى في القيامة" [2] وما أشبه هذه الأحاديث: نؤمن بها، ونصدق بها، لا كيف، ولا معنى، ولا نرد شيئًا منها، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، ولا نرد على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
ولا نصف اللَّه بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حدٍّ ولا غاية {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [3] ، ونقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، لا نتعدى ذلك، ولا يبلغه وصف الواصفين، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفةً من صفاته لشناعةٍ شُنّعت، ولا نتعدى القرآن والحديث، ولا نعلم كيف كنه ذلك إلا بتصديق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتثبيت القرآن.
قال الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس الشافعي - رضي اللَّه عنه: آمنت باللَّه وبما جاء عن اللَّه على مراد اللَّه، وآمنت برسول اللَّه، وبما جاء عن رسول اللَّه، على مراد رسول اللَّه.
وعلى هذا درج السلف، وأئمة الخلف، رضي اللَّه عنهم، كلهم متفقون على الإقرار، والإمرار، والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللَّه، وسنة رسوله، من غير تعرض لتأويله.
الشرح
ثم بعد ذلك ذكر المصنف دليلًا ثانيًا من أدلة طريقة السلف في الصفات وهو كلام الإمام أحمد، مما يبين طريقة السلف، فقال الإمام أحمد:"إن اللَّه يُرى في القيامة"، قال أحمد: نؤمن بها ونصدق بها لا كيف ولا معنى. فكلام أحمد يشمل الآتي:
1 -الإيمان بالصفات والتصديق بها كما جاءت.
2 -ترك التعرض للمعنى الباطل، مثل التشبيه أو التمثيل أو التحريف أو التعطيل، فلذا قال ولا معنى.
3 -ترك الإنكار والتكذيب لها والرد، ولذا قال ولا نرد على رسول اللَّه.
4 -الاقتصار على وصف اللَّه بما وصف به نفسه بدون تعدي ولا زيادة، ولذا قال:"ولا نزيل عنه صفة من صفاته ولا نتعدى القرآن والحديث".
وهنا كلمات ناقشوا فيها الإمام أحمد، وهي ثلاث كلمات. في قوله:"ولا معنى"، وفي قوله:"بلا حد ولا غاية".
فبعض أهل العلم انتقد هذه الكلمات والجواب على هذه الانتقادات هو مثل الجواب على المصنف في قوله:"ولا نتعرض لمعناها".
فيكون قصد الإمام أحمد المعنى الباطل وهذا هو أسلوب من أساليبهم ولا مشاحة في الاصطلاح. ومن الخطأ تخطئة المتقدمين باصطلاح المتأخرين.
وقول الإمام أحمد"بلا حد"هذه اللفظة تكلم بها السلف لما أحدثها الجهمية وإلا قبل ذلك ما كانوا يتكلمون بها. وكانوا يتكلمون بها في مجال الرد. ويعنون بالحد إذا أثبتوه إن لله حد بمعنى أنه بائن عن خلقه، وإذا نفوه قصدوا أنه لا يُحاط به ولا يُعلم انتهائه، وتكلم عن مسألة الحد الدارمي في الرد على بشر المريسي وأيضًا ابن المبارك، فكانوا يقصدون بها قصدًا صحيحًا.
-ثم ذكر الدليل على طريقة السلف، وهو كلام الشافعي، ثم ذكره بنصه قال:"آمنت باللَّه وما جاء عن اللَّه على مراد اللَّه، وآمنت برسول اللَّه وبما جاء عن رسول اللَّه على مراد رسول اللَّه".
وملخص كلام الشافعي:
1 -الإيمان بالصفات والتصديق بها.
2 -الإقرار بها وإثباتها على طريقة القرآن والسنة بلا تأويل ولا تكييف ولا تحريف
(1) رواه مسلم في صحيحه 1/ 522 (ح658) ، والنسائي في سننه 6/ 125، (ح10318) ، والدرامي في سننه 1/ 413 (ح1480) .
(2) رواه البخاري في صحيحه 1/ 203، (ح529) ، ومسلم في صحيحه 1/ 439 (ح633) .
(3) سورة الشورى: 11.