فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 71

قال المصنف:

{وما أشكل من ذلك، وجب إثباته لفظًا، وترك التعرض لمعناه، ونرد علمه إلى قائله، ونجعل عهدته على ناقله، اتباعًا لطريق الراسخين في العلم، الذين أثنى اللَّه عليهم في كتابه المبين بقوله سبحانه وتعالى: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا} [1] ، وقال في ذم مبتغي التأويل لمتشابه تنزيله: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللَّه} [2] فجعل ابتغاء التأويل علامة على الزيغ، وقرنه بابتغاء الفتنة في الذم، ثم حجبهم عما أمَّلوه، وقطع أطماعهم عما قصدوه، بقوله سبحانه: {وما يعلم تأويله إلا اللَّه}

الشرح:

التنبيه الأول:

قول المصنف: (وما أشكل من ذلك وجب إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه) . هذه الجملة انتقدها الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم رحمه الله في فتاويه خصوصًا لفظة"إثباته لفظًا وترك التعرض لمعناه".

وقال: إنه قد يفهم منها التفويض في الصفات، وهو أنه يثبت الألفاظ ويجهل المعنى ولا يوجب التعرض له بمعناه.

وقال: الأولى ترك هذه اللفظة الموهمة مع أنه ذكر أن المؤلف سلفي المعتقد وليس بمفوض"اهـ."

وكلام الشيخ محمد بن إبراهيم صحيح لو أخذت هذه الكلمة وعزلت عن السياق. أما من يقرأ ما قبلها وما بعدها يدرك أن المصنف أراد ترك التعرض للكيفية، ولذا قال: وما أشكل من ذلك.

والمراد بالمشكل هنا: هي كيفية الصفة، وأما كيفية الصفة فلا يتعرض لمعناها التكييفي، ولفهم كلام المصنف أكثر لابد من تفسير الآية التي استدل بها المصنف {وما يعلم تأويله إلا اللَّه والراسخون في العلم} [3] .

توضيح كلمة: وما أشكل من ذلك:

اعتمد المصنف على آية {والراسخون في العلم .. } وتفسيرها يوضح معناها، والمصنف قصد بالمشكل هو المتشابه بالآية.

والمتشابه المقصود به في الآية: ما استأثر اللَّه تعالى بعلمه، ومنه الكيفية في صفات اللَّه، فمعرفة الكيفية في صفات اللَّه هو من المتشابه.

ومن الأدلة على أن المقصود بالمتشابه هو ما استأثر اللَّه بعلمه ما يلي:

1 -قراءة ابن مسعود رضى الله عنه توضح ذلك، فقد ذكر ابن أبي داود في كتابه المصاحف ص67 ذكر بسنده إلى الأعمش قال: حدثنا أبو عبد اللَّه محمد بن يحيى، حدثنا خلاد بن خالد بن يزيد عن الحسين الجعفي، قال سمعت زائدة يسأل الأعمش، فقال الأعمش في قراءتنا كذا وكذا، ثم ذكر آيات في سورة البقرة يقرأ بها عبد اللَّه بن مسعود، ثم ذكر آيات من سورة آل عمران يقرأ بها ابن مسعود، قال: وفي قراءة عبد اللَّه إن حقيقة تأويله إلا عند اللَّه.

وقال صاحب كتاب القراءات وأثرها في التفسير وهو محمد بازمول قال في الحاشية: وإسناده حسن.

وهذه القراءة تبين معنى المتشابه وأن المقصود به حقيقة التأويل وما يعلم حقيقة المتشابه إلا اللَّه، مثل حقيقة كيفية الآخرة وقيام الساعة، ومنه حقيقة وكيفية الصفات

2 -أن معنى التأويل في القرآن يقصد به حقيقة الشيء فقوله ما يعلم تأويله إلا اللَّه أي حقيقته.

ولفظ القرآن بالتأويل يقصد به الحقيقة. قال الشنقيطي:"والحقيقة هو الاحتمال الغالب في القرآن". قال تعالى: {هذا تأويل رؤياي من قبل} [4] ، وقوله تعالى: {هل ينظرون إلا تأويله} [5] ، أي حقيقته، وقوله: {هل ينظرون إلا تأويله} ، وقوله: {ولما يأتهم تأويله} [6] .

وأحسن التفسير أن يفسر القرآن بالقرآن، فيكون معنى {وما يعلم تأويله} أي حقيقته.

(1) ( ... سورة آل عمران: 7.

(2) سورة آل عمران: 7.

(3) آل عمران: 7.

(4) يوسف: 100.

(5) الأعراف: 53.

(6) يونس: 39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت