فصل
قال المصنف:
ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له الرسول صلى الله عليه وسلم لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء.
ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل.
الشرح
بعد أن انتهى المصنف من الشهادة لأهل الفضل والثناء أنهم من أهل الجنة، انتقل فقال: هل يشهد لأحد غيرهم بجنة أو نار؟
الجواب: أن غير السابقين مما ذكر، كالمسلم العادي الذي لم ينتشر فضله، فهذا لا يشهد له بالجنة، لكن يُرجى له الجنة، وكذا لا يُشهد لأحد منهم بنار، وإنما يخاف على المسيء من النار، فجعل الأمر دائر بين الرجاء للمحسن والخوف على المسيء
وقول المصنف (ولا نجزم) نفى الجزم، وقوله (نجزم) ولم يقل لا أجزم بالإفراد لأنه أراد باللفظ أهل السنة، وقوله (من أهل القبلة) يُقصد بأهل القبلة هو من أتى بالتوحيد (شهادة أن لا إله إلا اللَّه) ولم يأتِ بناقض، هذا تعريف أهل القبلة شرعًا، ويشترط شرطان:
أ - أن يأتي بالشهادتين، وهذا شرط إيجابي.
ب - أن لا يأتي بناقض من نواقض الإسلام وهذا شرط سلبي.
فإذا لم يأت بالتوحيد فليس من أهل القبلة، وإن أتى بالتوحيد وأتى بناقض فليس من أهل القبلة، أما الذين ليسوا من أهل القبلة كالجهمية، فهؤلاء عندهم ناقض وهو إنكارهم للأسماء والصفات، وغيره من المكفرات التي عندهم.
ومثل الرافضة اليوم فهم ليسوا من أهل القبلة لوجود نواقض فيهم، وكالعلمانيين والحكام المرتدين في وقتنا ممن يدعي الإسلام فهم ليسوا من أهل القبلة لوجود ناقض، ويشمل الحداثين والقوميين والبعثيين والديمقراطيين والاشتراكيين وغيرهم من الطوائف الأخرى الذين ليسوا من أهل القبلة، وفائدة ذلك أن من مات من هؤلاء الطوائف على ذلك. لا يدخل في هذه المسألة، ولا يقال لا نشهد له بالنار، ويدل على ذلك أن من مات من المرتدين يشهد له بالنار.
ويدل لذلك حديث بني المنتفق وهو حديث صحيح، فأتوا النَّبِيّ عليه السلام وسألوه في حديث طويل عمن مات من أهل الفترة فقال النَّبِيّ عليه السلام:"لعمر اللَّه ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك فقل: أرسلني إليك محمد فأبشرك بما يسوءك تجر على وجهك وبطنك في النار" [1] ، قال ابن القيم في (الهدى) من فوائد الحديث أنه يُشهد على من مات على الشرك بالنار.
2 -قصة المرتدين، فإنهم لما تابوا وطلبوا الصلح من أبي بكر شرط عليهم شرط، وقال حتى تشهدوا أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار" [2] ، والشاهد قوله:"وقتلاكم في النار"، فدل على أنه يجوز الشهادة على المرتد إذا مات على الردة بالنار."
ثم تطرق المصنف إلى مسألة التكفير وهل يكفّر أحد من أهل القبلة أم لا يكفر.
قال المصنف: (ولا نكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه عن الإسلام بعمل) .
تكلم المصنف عن حكم تكفير أهل القبلة، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: ما المقصود بكلمة"بذنب"، وكلمة"بعمل"
هاتان الكلمتان قد تفهم خطأ، وقد تفهم أحيانًا على وجه التعميم، فيظن أن كلامه عام وليس كذلك، فيقصد"بذنب"أي المعاصي، التي تسمى الكبائر، ومثله كلمة"بعمل"فإنها تطلق على ثلاثة أشياء:
أ - على الكبائر: كالسرقة والزنا والغيبة والنميمة واللواط وما شابه ذلك فهذا لا يكفر به أهل السنة والجماعة.
ب - الشرك الأصغر، فهذا أيضًا يدخل ضمن كلام المصنف فلا يكفر بالشرك الأصغر.
جـ - الصغائر وهي ما جاء تحريمها بالشرع ولم يرد فيها وعيد خاص، فهذه لا يكفر بها أهل السنة والجماعة.
(1) مسند الإمام أحمد 4/ 13 (16251) .
(2) رواه أحمد في مسنده 1/ 387 (ح2609) .