الصفة الثالثة: صفة النفْس لله تعالى
قال المصنف: وقوله تعالى إخبارا عن عيسى عليه السلام أنه قال {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك}
الشرح
ذكر المصنف آية واحدة للتدليل على إثبات هذه الصفة لله سبحانه وتعالى، وأهل السنة والجماعة يثبتون صفة النفس لله تعالى، أما الأدلة على ذلك، ما ذكر المصنف، قوله تعالى: {ويحذركم اللَّه نفسه} [1] ، وقوله: {كتب على نفسه الرحمة} [2] ، وحديث:"إني حرمت الظلم على نفسي" [3] رواه مسلم، وحديث:"لئن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي" [4] متفق عليه.
إلا أن السلف رحمهم اللَّه اختلفوا في ما هو المراد من صفة النفس بعد ما أثبتوا النفس لله، على قولين:
القول الأول:
أن النفس بمعنى الذات الإلهية بصفاتها، وهو الذي اختاره ابن تيمية، وقد قال في الفتاوى [5] : ونفسه هي ذاته المقدسة، وقال في الفتاوى [6] : ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، ثم استدل بآية: {تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك} [7] ، وقوله: {كتب على نفسه الرحمة} ، وآية: {ويحذركم اللَّه نفسه} وذكر حديث:"فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي". وقال إن النفس في هذه المواضع بمعنى الذات المتصفة بصفاتها عند جمهور العلماء، وليست الذات المنفكة عن الصفات ولا المراد بها صفة الذات، وطائفة من الناس يجعلونها من باب الصفات كما يظن طائفة أنها الذات المجردة عن الصفات. كلا القولين خطأ. انتهى.
واختيار ابن تيمية رحمه اللَّه مرجوح خلاف الصحيح كما سوف يأتي إن شاء اللَّه تعالى.
القول الثاني:
إن النفس صفة من صفات اللَّه كغيرها من الصفات واختار هذا القول ابن خزيمة في كتاب التوحيد، وابن قدامة في كتابه هذا - لمعة الاعتقاد - واختاره أيضًا عبد الغني المقدسي في عقيدته، واختاره أيضًا أبو يعلى في كتابه إبطال التأويلات [8] ، واستدلوا على ذلك أنها جاءت مضافة إلى اللَّه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، كما في الآية التي ذكر المصنف {ولا أعلم ما في نفسك} ، وقوله: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [9] .
وهذا هو الصحيح في المسألة أن النفس صفة من صفات اللَّه.
مسألة: مذهب المعطلة في صفة النفس لله تعالى:
هم لا يثبتون لله تعالى صفة النفس، كغيرها من الصفات، وجميع المعطلة من الجهمية والمعتزلة والكلاّبية والأشاعرة يفسرون النفس في الآيات السابقة بمعنى الذات، والفرق بين كلامهم وكلام ابن تيمية: أنهم يقولون أن النفس الذات المجردة. وابن تيمية يقول أن النفس بمعنى الذات المتصفة بالصفات.
مسألة: (وذكرناها من باب الاستطراد) :
صفة النَفَس: هل تثبت لله أم لا؟
جاءت أحاديث منها حديث أبي هريرة مرفوعًا:"من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفّس اللَّه عنه كربة من كرب يوم القيامة" [10] رواه مسلم.
وحديث أبي بن كعب مرفوعًا:"في النهي عن سب الريح فإنها من نفس الرحمن" [11] . صححه الترمذي.
ومعنى النفس: أي التنفيس، كما قال أبو يعلى في إبطال التأويلات [12] . وعليه فالتنفيس من أفعال اللَّه كالتفريج وهي من صفات اللَّه المتعلقة بالمشيئة.
(1) آل عمران: 28.
(2) الأنعام: 12.
(3) رواه مسلم في صحيحه 4/ 1994 (ح2577) .
(4) رواه البخاري في صحيحه 6/ 2694) (ح6970) ، مسلم صحيحه 4/ 2061 (ح2675) .
(6) 9/ 292 وما بعدها.
(7) المائدة: 116.
(9) الأنعام: 54.
(10) رواه مسلم في صحيحه 4/ 2074 (ح2699) ، وأبو داود في سننه 4/ 287 (ح4946) ، والترمذي في سننه 4/ 34 (ح1425) .
(11) أخرجه النسائي في السنن الكبرى 6/ 231 (ح10769) ، والترمذي في سننه 4/ 521 (ح2252) .