فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 293

السبب الشرعي عند الأصوليين: (هو وصف ظاهر منضبط يثبت الحكم به من حيث أن الشارع علقه به) [الواضح في أصول الفقه لمحمد سليمان الأشقر ص 31] ، أو (هو ما يلزم من وجوده وجود المسبب ومن عدمه عدمه) ، أو (هو جعل وصف ظاهر منضبط مناطا لوجود حكم، أي يستلزم وجوده) [إرشاد الفحول للشوكاني ص 24] ، وبتعبير آخر هو ما جعله الشارع علامة على مسببه وربط وجود المسبب بوجوده وعدمه بعدمه، ولهذا قال العلماء: (الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا) ، والعلة والسبب مترادفان عند أكثر أهل الأصول، ولما كان الإيمان عند أهل السنة والجماعة ذو أركان ثلاثة؛ هي الاعتقاد والقول والعمل، فإن أسباب الكفر تقابل ذلك فهي: إما قول مكفر، أو فعل مكفر ويدخل فيه (الترك المكفر) ، أو شك أو اعتقاد مكفر.

يقول ابن حزم في تعريف الكفر: (وهو في الدين: صفة من جحد شيئًا مما افترض الله تعالى الإيمان به بعد قيام الحجة عليه ببلوغ الحق إليه، بقلبه دون لسانه، أو بلسانه دون قلبه، أو بهما معًا أو عمل عملًا جاء النص بأنه مخرج له بذلك عن اسم الإيمان) [الإحكام في أصول الأحكام: 1: ص 45] ، ويقول تاج الدين السبكي: (التكفير حكم شرعي سببه جحد الربوبية أو الوحدانية أو الرسالة، أو قول أو فعل حكم الشارع بأنه كفر وإن لم يكن جاحدًا) [فتاوى السبكي: 2: ص 586] ، ويقول الشربيني الشافعي: (الردة هي قطع الإسلام بنية، أو قول، أو فعل، سواء قاله استهزاءًا، أو عنادًا، أو اعتقادًا) [مغني المحتاج: 4: ص 133] ، ويقول منصور البهوتي الحنبلي: (المرتد لغة: هو الراجع، قال تعالى:(ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين) [المائدة: 21] ، وشرعًا: الذي يكفر بعد إسلامه، نطقًا أو اعتقادًا، أو شكًا، أو فعلًا) [كشاف القناع عن متن الاقناع: 6: ص 136] ، وأقاويل العلماء في بيان ذلك كثيرة، وفيها أن أسباب الكفر أو الردة كما قدمنا هي: إما قول مكفر، أو فعل مكفر، أو اعتقاد أو شك مكفر، وهذه أسباب الكفر عمومًا، أما أسباب التكفير، التي تعمل في أحكام الدنيا فتنحصر في: الفعل أو القول المكفر فقط، وقد حصرت الشريعة أسباب التكفير في الدنيا بذلك وحده، لأن الاعتقاد والشك أسباب غير ظاهرة ولا منضبطة في أحكام الدنيا، لذلك لم يعلق به الشارع أحكام الدنيا أو يجعلها أسبابًا للتكفير فيها، وإنما جعل ذلك للذي يعلم السر وأخفى، فهي لأجل ذلك أسباب للكفر أخروية، لا علاقة لأحكام الدنيا بها، ولذلك كان من أبطن الكفر ولم يظهره، بل أظهر شرائع الإسلام منافقًا يعامل في أحكام الدنيا معاملة المسلمين، أما في أحكام الآخرة، فيحاسبه الله على ما أبطن من أسباب الكفر فيكون مصيره الدرك الأسفل من النار، وقد تقدم قول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر، كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) [الصارم المسلول: ص 177، 178] ، فحصر أسباب الكفر بالقول والفعل المكفر - لأن ذلك هو المعتبر في الدنيا، ولم يتعرض للأسباب الباطنة الخفية لأنها لا دخل لها في أحكام الدنيا، وانظر قريبًا منه في الصارم ص (370)

وعلى هذا فإذا ارتكب المكلف سببًا من أسباب الكفر الظاهرة، قول أو فعل مكفر، وتوفرت الشروط وانتفت موانعه، كفر، وإن زعم أنه لم يرد بذلك الكفر والخروج من الدين .. فهذا لا يقصد إليه أحد إلا ما شاء الله، وحتى النصارى، لو قيل لهم، هل تريدون الكفر بقولكم إن المسيح ابن الله.؟ لنفوا ذلك وأنكروه [الرسالة الثلاثينية لأبي محمد المقدسي: ص 57، 58، 76 - 80 بتصرف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت