فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 293

القاعدة الأولى: (الكفرُ العامُّ لا يستلزمُ دائمًا كُفرَ المُعَيَّن) :

الشرح: أي أن التكفير العام الوارد في النصوص الشرعية، لا يصح حمله دائمًا على الأشخاص بأعيانهم ممن قد وقع في ذلك الكفر، لاحتمال وجود موانع التكفير بحقهم وانتفاء لوازمه.

فأن يقال: هذا القول كفر أو هذا الفعل كفر، أو من فعل كذا أو قال كذا فهو كافر؛ فهذا كله تكفيرٌ عام لا يستلزم دائمًا أن يكون كل من قال هذا القول أو فعل ذلك الفعل هو كافر بعينه؛ لاحتمال وجود العلة الآنفة الذكر التي تُحيل من تكفيره بعينه، وهي انتفاء لوازم التكفير ووجود موانعه في حق ذلك الشخص المعين.

فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أتاني جبريل، فقال: يا محمد إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها) [أخرجه الطبراني، والحاكم، صحيح الجامع الصغير: 72] ، فهذا لعن عام،

وبالمقابل فقد جاء في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلًا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمر به فجُلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتَي به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) ، فرغم أن شارب الخمر قد لُعن لعنًا عامًا، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من إنزال هذا اللعن بحق الصحابي لوجود عِلة مانعة تمنع من لعنه بعينه؛ وهي أنه يحب الله ورسوله، علمًا أن هذا الصحابي كان من المدمنين على شرب الخمر بدليل قول الرجل من القوم: (ما أكثر ما يُؤتى به) ، وكذلك لما والى حاطب بن أبي بلتعة كفار قريش على النبي صلى الله عليه وسلم موالاة غير مُكفرة، وفعل ما فعل فمما تشفع له حسنة بدر العظيمة (لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وهو إلى جانب أنه من أهل بدر، كان متأولًا في فعلته، صادق الباطن، لم تُعرف عنه الخيانة من قبل، كل ذلك كان شافعًا له ومانعًا من إنزال حكم الكفر أو النفاق في حقه، وكذلك قصة الرجل الذي أسرف على نفسه بالمعاصي، كما في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال رجل لم يعمل حسنة قط لأهله، إذا ماتَ فحرِّقوه، ثم اذروا نصفه في البرِّ ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلما مات الرجلُ فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر فجمع ما فيه، ثم قال: لمَ فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب وأنت أعلم، فغفر الله له) ، فرغم أن الرجل قد قال الكفر، وقد أوصى أبناءه به إلا أنه لم يكفر بعينه ولم يطاله وعيد الكافرين؛ لوجود مانع الجهل بما يستحقه الله تعالى من الصفات، ولكونه فعل ذلك بدافع الخوف والخشية من الله تعالى، فأقال الله تعالى ـ لأجل ذلك ـ عثرته، وعفا عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت