فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 293

2 -التأويل: ومن موانع التكفير التي تمنع من لحوق الوعيد بالمعين التأويل المعتبر والمستساغ شرعًا؛ فمن وقع في المخالفة الشرعية لتأويل معتبر منع عنه لحوق الوعيد، مثال ذلك ما حصل للصحابي البدري قدامة بن مظعون رضي الله عنه عندما تأول قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [المائدة:93] ، فأحل لنفسه شرب الخمر، على اعتبار أنه من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وبالتالي لا جناح عليه لو شرب الخمر، فأحل بذلك شرب الخمر، وهذا كفر، ولكن لما كان الحامل على وقوعه في هذا الكفر التأويل والفهم الخاطئ للآية مُنع عنه لحوق الكفر به، وأجمع الصحابة على استتابته وإلزامه الحجة أولًا فإن أصر على الاستحلال بعد ذلك قتل كفرًا وردة على أنه قد غير وبدل، واستحل ما حرم الله، وكان من شأنه أنه ندم على ذنبه وخطأه ندمًا شديدًا، فأرسل إليه عمر رضي الله عنه فقال له: ما أدري أيُّ ذنبك أعظم، استحلالك المحرم أولًا أم يأسك من رحمة الله ثانيًا؟!، ونحو ذلك خطأ حاطب بن أبي بلتعة البدري عندما راسل قريشًا يخبرهم بتوجه النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، وهذا الفعل يُعد من الموالاة التي فيها مظاهرة المشركين على المسلمين، ولكن لما فعل حاطب ذلك متأولًا ظانًا أن ذلك لا يضره في إيمانه وإسلامه، وكان صادقًا في تأويله وأنه لم يفعلها ردة ولا كفرًا، أقال النبي صلى الله عليه وسلم عثرته، ومنع أن يُحمل عليه حكم الكفر أو النفاق الذي أطلقه عليه عمر رضي الله عنه، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم - لأجل ذلك - بقتله!، قال ابن حجر: (وعذر حاطب ما ذكره؛ فإنه صنع ذلك متأولًا أن لا ضرر فيه) [فتح الباري: 8: ص 503] .

3 -الإكراه: كذلك الإكراه فإنه مانع من موانع لوحق الكفر بالمعين، وهو كذلك مانع من موانع لحوق الوعيد والحرج والإثم لقوله تعالى: (إلا من أكره وقلبه مطمأن بالإيمان) [آل عمران:28] ، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) [أخرجه أحمد وغيره، صحيح الجامع: 1731] .

4 -الخطأ المنافي للقصد والعمد: كذلك من يقع في الكفر خطأ وزلة، على غير وجه القصد أو العمد فإنه يمنع عن صاحبه الكفر ومطلق الوعيد أو الإثم، كالذي أيس من راحلته، ولما وجدها قائمة عند رأسه فقال من شدة الفرح: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) ، فهذا النوع من الخطأ لا يؤاخذ به المرء لأنه لم يرده، ولم يصدر عنه على وجه القصد أو العمد، قال تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا) [الأحزاب:5] ، إلى هنا نكون قد أثبتنا بالدليل صحة الشطر الأول من القاعدة الذي يقول: (كل ما نع من موانع التكفير مانع من موانع لحوق الوعيد بالمعين) ، وبقي أن نثبت صحة الشطر الثاني من القاعدة الذي يقول: (وليس كل مانع من موانع لحوق الوعيد بالمعين مانعًا من موانع التكفير) ، وإليك بيان ذلك بشيء من التفصيل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت