فهرس الكتاب
1 -الحسنات: فالحسنات يذهبن السيئات، وتمنع من لحوق الوعيد بالمعين، لقوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود:114] ، وعن أنس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أصبت حدًا فأقمه علي، قال وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى الصلاة قال يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم في َّ كتاب الله، قال: (هل حضرت الصلاة معنا) ؟ قال: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: (قد غُفر لك) ، وفي رواية: (أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء) ؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: (ثم شهدت الصلاة معنا) ؟ فقال: نعم يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإن الله قد غفر لك حدك أو ذنبك) [رواه مسلم] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمٍ يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقوم في صلاته، فيعلم ما يقول إلا انفتل وهو كيوم ولدته أمه) [صحيح الترغيب والترهيب:547] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الصلوات الخمس يُذهبن بالذنوب كما يُذهب الماء الدرن) [أخرجه أحمد، صحيح الجامع:1668] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله) [رواه مسلم] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (بينما كلب يُطيف بُركيَّةٍ - بئر - كاد يقتله العطش، إذا رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل، فنزعت فوقها - خفها - فاستقت له به، فغُفِر لها) [متفق عليه] ، وغيرها كثير من النصوص والأحاديث التي تفيد أن الحسنات تكفرن السيئات، وتمنعن عن المعين لحوق وعيد السيئات به، ولكن هل تمنع عنه لحوق وعيد الكفر به لو وقع في الكفر البواح؟
الجواب: أن الحسنات مهما عظمت لا يمكن أن تمنع عن صاحبها الكفر لو وقع فيه، ويطاله وعيد الكفر وآثاره في الدنيا والآخرة ولا بد، فالحسنات تكفر السيئات التي هي دون الكفر والشرك، أما الكفر والشرك لا طاقة لها به، لقوله تعالى: (إنه من يُشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) [المائدة:72] ، ولقوله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) [الزمر:65] ، ولقوله تعالى: (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) [الأنعام:88] ، ولقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عملٍ فجعلناه هباءً منثورًا) [الفرقان:23] ، فإن قيل: بما في ذلك حسنة التوحيد؟!، نقول: بما في ذلك حسنة التوحيد، إلا إذا اقتضى وجود التوحيد انتفاء الشرك والكفر، فحينئذٍ لا شك أن التوحيد ينفع صاحبه وينجيه، أما أن يُفترض اجتماع حسنة التوحيد وسيئة الشرك في قلب امرئٍ واحد، فالتوحيد هنا لا ينفع صاحبه، ووجوده وعدمه سواء، ومن وجه آخر فإن افتراض وجودهما معًا هو ضرب من التناقض، والقول بالشيء وضده معًا!، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يجتمع الإيمان والكفر في قلب امرئٍ) [السلسلة الصحيحة: 1050] ، ولكن الذي يمكن قوله هنا: أن الحسنات العظيمة قد تتشفع لصاحبها عند ورود الكفر المتشابه المحتمل، وحصول العثرات والكبوات التي لا ترقى إلى درجة الكفر البواح، وتحملنا على تحسين الظن والتأويل له، كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب كفار قريش، فإن مما تشفع له وأقال عثرته حسنة بدر العظيمة، حيث فيه وبسببه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) [رواه البخاري] .