فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 293

2 -البلاء: كذلك البلاء فإنه يكفر السيئات، ويمنع من لحوق الوعيد بالمعين، كما في الحديث المتفق عليه: (ما يصيب المؤمنَ من وصَبٍ ولا نصَبٍ، ولا غمٍّ، ولا همٍّ، ولا حزنٍ حتى الشوكة يُشاكها إلا كفَّرَ من خطاياه) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلُغها بعمله ابتلاه الله في جسده، أو في ماله، أو في ولده، ثمَّ صبَّره على ذلك، حتى يُبلَغه المنزلة التي سبقت من الله تعالى) ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه، إلا كفَّرَ اللهُ عنه من سيئاته) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدًا من عبادي مؤمنًا، فحمدني وصبر على ما ابتليته به، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا) ، وغيرها كثير من الأحاديث الصحيحة التي تفيد أن البلاء يحط عن صاحبه السيئات، ويمنع عنه وعيدها.

ولكن هل يحط عن صاحبه سيئة الكفر، ويمنع عنه لحوق وعيده وما يترتب عليه من آثار في الدنيا والآخرة؟

الجواب: لا؛ لأن البلاء مهما عظم وكبر لا يمكن أن يحط عن صاحبه سيئة الكفر، أو يمنع عنه وعيده وآثاره، للأدلة الآنفة الذكر الدالة على أن الشرك يحبط جميع العمل، ويمحق جميع الحسنات، فالصبر على البلاء مانع من موانع لحوق الوعيد بالمعين فيما هو دون الكفر أو الشرك الكبر، ولكن يمكن أن نقول ما قلناه من قبل: أن المرء المبتلى في الله، الذي يُعرف عنه جلادة وصبر على البلاء في سبيل نصرة الحق، فمثل هذا تقال عثراته، كما ينبغي أن يُتوسع بحقه التأويل، وساحة الأعذار، لو عثر أو وقع في كفر متشابه أو محتمل من وجه أو أوجه ومن أوجه أخرى لا يحتمل ذلك.

3 -الشفاعة: ومن موانع لحوق الوعيد بالمعين شفاعة الشافعين له يوم القيامة، ولكن هل يمكن أن تمنع عنه وعيد الكفر والشرك، لو كان من أهل الكفر والشرك؟

الجواب: لا، لأن شفاعة الشافعين لا تدرك إلا من وافته المنية على التوحيد، أما من تدركه المنية على الكفر والشرك، ليس له شفيع، ولا تنفعه شفاعة الشافعين.

كما قال تعالى عن المشركين: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر:48] ، وقال تعالى: (فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم) [الشعراء:100، 101] ، وفي الحديث فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعطيت الشفاعة وهي نائلة من لا يُشرك بالله شيئًا) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من نفسه) [رواه البخاري] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإني أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة)

وممن يشفع يوم القيامة بإذن الله غير الأنبياء والمرسلين: الملائكة، والشهداء، وغيرهم من عباد الله الصالحين، خلاصة القول: أن الشفاعة تمنع لحوق الوعيد بالمعين ما دام هذا الوعيد دون الكفر والشرك، فإن وقع في الكفر والشرك لا تنفعه شفاعة الشافعين في شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت